صورة ناصح ، لا يدفع بتعوذ ولا غيره. (يُوحِي) أي : يوسوس ، (بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ) ، فيوسوس شياطين الجن إلى شياطين الإنس ، ثم يوسوس شياطين الإنس إلى من يريد الحق اختباره وابتلاءه ، يلقى إليه ذلك الشيطان (زُخْرُفَ الْقَوْلِ) أي : أباطيله ، أي : قولا مزخرفا مزوّقا (غُرُوراً) أي : لأجل الغرور ، فإن أراد الله خذلان ذلك العبد غره ذلك الشيطان بزخرف ذلك القول فيتبعه ، وإن أراد توفيقه وزيادته أيده وعصمه ، وكل شىء بقدره وقضائه ، (وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ) هدايتهم ما فعلوا ذلك الوحى ، أو ما ذكر من المعاداة للأنبياء ، (فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ) على الله من الكفر وغيره ، فلا تهتم بشأنهم.
وإنما فعلنا ذلك الإيحاء (لِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ) فيغتروا به ، (وَلِيَرْضَوْهُ) لأنفسهم ، (وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ) أي : وليكتسبوا من الإثم والكفر ما هم مكتسبون بسبب ذلك الوحى من الجن أو الإنس ، وفى الآية دليل لأهل السنة فى أن الله خالق الكفر والإيمان ، والطاعة والمعصية ، فالمعصية خلقها وقدرها ، ولم يرضها ، (لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ) (١).
الإشارة : كما جعل الله لكل نبى عدوّا من شياطين الإنس والجن ؛ جعل للأولياء كذلك ؛ تحويشا لهم إليه ، وتطهيرا لهم من البقايا ليصلحوا لحضرته ، قال فى الحكم : «إنما أجرى الأذى عليهم كى لا تكون ساكنا إليهم ، أراد أن يزعجك عن كل شىء حتى لا يشغلك عنه شىء». وقال فى لطائف المدن : اعلم أن أولياء الله حكمهم فى بدايتهم أن يسلط الخلق عليهم ليطهروا من البقايا ، وتكمل فيهم المزايا ، كى لا يساكنوا هذا الخلق باعتماد ، أو يميلوا إليهم باستناد ، ومن آذاك فقد أعتقك من رق إحسانه ، ومن أحسن إليك فقد استرقك بوجود امتنانه ، ولذلك قال صلىاللهعليهوسلم : «من أسدى إليكم نعما فكافئوه ، فإن لم تقدروا فادعوا له». كل ذلك ليتخلص القلب من رق إحسان الخلق ، ويتعلق بالملك الحق. ه.
وقال الشيخ أبو الحسن رضى الله عنه : آذاني إنسان فضقت به ذرعا ، فرأيت يقال لى : من علامة الصديقية كثرة أعدائها ثم لا يبالى بهم. وقال بعضهم : الصيحة من العدو ، سوط من الله يزجر بها القلوب إذا ساكنت غيره ، وإلا رقد القلب فى ظل العز والجاه ، وهو حجاب عن الله تعالى عظيم. ه.
وقال شيخ شيوخنا سيدى على الجمل رضى الله عنه : (عداوة العدو حقا : اشتغالك بمحبة الحبيب حقّا ، وأما إذا اشتغلت بعداوة العدو نال مراده منك ، وفاتتك محبة الحبيب). وقال بعض أشياخ الشعراني فى بعض وصاياه له : لا تشتغل قط بمن يؤذيك ، واشتغل بالله يرده عنك ؛ فإنه هو الذي حركه عليك ؛ ليختبر دعواك فى الصدق ، وقد غلط فى هذا الأمر خلق كثير ، فاشتغلوا بأذى من آذاهم ، فدام الأذى مع الإثم ، ولو أنهم رجعوا إلى الله لردهم عنهم وكفاهم أمرهم. ه.
__________________
(١) الآية ٢٣ من سورة الأنبياء.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3783_albahr-almadid-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
