عن حسه ، فيشاهد معانى أسرار الربوبية فى مظاهر أنوار صفاته. ومن كان هنا مفتوحا عليه فى شهود المعاني ، كان يوم القيامة كذلك ، لا تغيب عنه مشاهدة الحق ساعة.
قال الغزالي فى كتاب الأربعين : إذا ارتفع الحجاب بعد الموت انقلبت المعرفة بعينها مشاهدة. قلت : ومعنى كلامه : أن ما عرفه به هنا من التجليات ، صار بعينه هناك مشاهدة ؛ لأن المعنى هناك غالب على الحس ، بخلاف دار الدنيا ، الحس فيها غالب ، إلّا لمن غاب عنه واستهلكه. ثم قال : ويكون لكل واحد على قدر معرفته ، ولذلك تزيد لذة أولياء الله تعالى فى النظر على لذة غيرهم ، ولذلك يتجلى الله تعالى لأبى بكر خاصة ، ويتجلى للناس عامة.
وقال فى الإحياء : ولمّا كانت المعرفة على درجات متفاوتة كان التجلي على درجات متفاوتة ، ثم ذكر حديث التجلي لأبى بكر المتقدم. ثم قال : فلا ينبغى أن يظن أن غير أبى بكر ، ممن هو دونه ، يجد من لذة النظر والمشاهدة ما يجده أبو بكر ، بل لا يجده ، إلا عشر عشره ، إن كانت معرفته فى الدنيا عشر عشره ، ولما فضل الناس بسر وقر فى صدره ، فضل لا محالة بتجلّ انفرد به.
وقال أيضا : يتجلى الحق للعبد ، تجليا يكون الكشاف تجلّيه ، بالإضافة إلى ما علمه ، كانكشاف تجلى المرئيات بالإضافة إلى ما تخيله ـ أي : إلى ما وصفه له الواصف. ثم قال : وهذه المشاهدة والتجلي هى التي تسمى رؤية ، ثم قال : المعرفة الحاصلة فى الدنيا هى التي تستكمل ، فتبلغ كمال الكشف والوضوح وتنقلب مشاهدة ، ولا يكون بين المشاهدة فى الآخرة والمعلوم فى الدنيا اختلاف ، إلا من حيث زيادة الكشف والوضوح. وقال أيضا : وبحر المعرفة لا ساحل له ، والإحاطة بكنه جلاله محال ، وكلما كثرت المعرفة وقويت ؛ كثر النعيم فى الآخرة ، وعظم ، كما أنه كلما كثر البذر وحسن ؛ كثر الزرع وحسن ، ولا يمكن تحصيل هذا البذر إلا فى الدنيا ، ولا يزرع إلا فى صعيد القلب ، ولا حصاد إلا فى الآخرة. ه.
قال شيخنا مولاى العربي رضى الله عنه : بل الرجال زرعوا اليوم وحصدوا اليوم. وفى تفسير الأقليشى لقوله : (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) (١) : ليس لهذه الهداية ـ مادام العبد فى الدنيا ـ نهاية ، حتى إذا حصل فى جوار الجبار ، ونظر إلى وجهه العظيم ، كان حظه من النعيم بقدر ما هداه فى الدنيا لصراطه المستقيم. ه. وقال فى نوادر الأصول : فى الحديث : «إنّ من أهل الجنّة من ينظر إلى الله عزوجل غدوة وعشيّا». وروى عن معاذ أنه قال : «صنف من أهل الجنّة من ينظر إلى الله عزوجل ، لا يستر الربّ عنهم ولا يحتجب» ثم قال : وذكر أن الرضوان آخر ما ينال أهل الجنة ، ولا شىء أكبر منه ، وكل عبد من أهل الجنة حظه من الرضوان هناك فيها على قدر جوده بنفسه على الله فى الدنيا. ه.
__________________
(١) الآية ٦ من سورة الفاتحة.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3783_albahr-almadid-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
