رواية أخرى : «ليس بكاذب ، من قال خيرا أو نواه». وأما اعتذاره فى حديث الشفاعة ؛ فلهول المطلع ، فيقع الحذر من أدنى شىء. والله تعالى أعلم.
الإشارة : لمّا كوشف إبراهيم بعالم الملكوت ، رأى الله فى الأشياء كلها ، كما ورد فى بعض الأثر : (ما رأيت شيئا إلا رأيت الله فيه). وإنما قال : (لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ) ؛ حذرا من الوقوف مع الحس دون شهود المعنى ، إذ بحر المعاني متصل دائم ليس فيه تغيير ولا انتقال. وإنما تتغير الأوانى دون المعاني ، فشمس المعاني مشرقة على الدوام ، ليس لها مغيب ولا تغير ولا انتقال ، ولذلك قيل :
|
طلعت شمس من أحب بليل |
|
واستنارت فما تلاها غروب |
|
إنّ شمس النّهار تغرب بالليل |
|
وشمس القلوب ليس لها مغيب |
أي : طلعت شمس نهار عرفانهم على ليل وجودهم ، فامتحت ظلمة وجودهم فى شهود محبوبهم ، وفى الحكم : «أنار الظواهر بأنوار آثاره ، وأنار السرائر بأنوار أوصافه ، لأجل ذلك أفلت أنوار الظواهر ، ولم تأفل أنوار القلوب والسرائر».
قال الجوزي : لما بدا لإبراهيم نجم العلم ، وطلع قمر التوحيد ، وأشرقت شمس المعرفة ـ قال : (إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ ...) الآية. ه. قيل : لما نظر إبراهيم عليهالسلام بعيون رأسه إلى نور النجم والشمس والقمر الحسى ، نودى فى سره : يا إبراهيم ، لا تنظر ببصرك إلى الجهة الحسية ، وانظر ببصيرتك إلى الحقيقة المعنوية ؛ لأن الوجود كله عين الأحدية ، فافهم معانى الأسماء ، ولا تقف مع جرم الأرض والسماء ، فإن الوقوف مع الحس حجاب عن المعنى. فقال إبراهيم : (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ). ه. وفى ذلك يقول الششترى أيضا :
|
لا تنظر إلى الأوانى |
|
وخض بحر المعاني |
|
لعلّك ترانى. |
||
ولما احتج إبراهيم عليهالسلام على قومه خاصموه فى ذلك ، كما قال تعالى :
(وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدانِ ...)
يقول الحق جل جلاله : (وَحاجَّهُ قَوْمُهُ) أي : خاصموه فى التوحيد ، فقال لهم : (أَتُحاجُّونِّي فِي اللهِ) أي : فى وحدانيته ، أو فى الإيمان به ، وقد هدانى إلى توحيده وأرشدنى إلى معرفته ، فلا ألتفت إلى غيره ، ولا أعبأ بمن خاصمنى فيه ، والأصل : تحاجوننى ، فحذف نافع وابن عامر نون الرفع ، وأبقى نون الوقاية ، وقيل : العكس ، وأدغم الباقون إحدى النونين فى الأخرى.
الإشارة : مخاصمة العموم لأهل الخصوصية سنّة ماضية ؛ (ولن تجد لسنة الله تبديلا) ؛ لأنّ من أنكر شيئا عاداه ، فأهل الخصوصية يعذرون من أنكر عليهم ؛ لأن ذلك مبلغهم من العلم ، والعامة لا يعذرون أهل الخصوصية ؛ لخروجهم عن بلادهم ؛ فلا يعرفون ما هم فيه. والله تعالى أعلم.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3783_albahr-almadid-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
