قلت : قوله : ولا يكون قلب ... إلخ ، حاصل كلامه : أن القلب من حيث هو لا بد أن يطرقه الخصم إن حاد عن الحق ، وهو المراد بهواتف الغيب ، لكنه أخفى من دبيب النمل فى حق الغافلين. فإن كان القلب حيا متيقظا تتبع ذلك الخصم ؛ حتى يزيله بظهور الحق ، وإن كان ميتا بغلبة الشهوات أخفاه حتى يموت ، فيبدو له ما كان يخفيه من قبل. والله تعالى أعلم.
ثم ذكر اعتقادهم الفاسد ، وما أداهم إليه ، فقال :
(وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩) وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (٣١) وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٣٢))
يقول الحق جل جلاله : (وَقالُوا) أي : الكفار فى إنكار البعث : (إِنْ هِيَ) أي : الحياة (إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا) لا حياة بعدها ، (وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) ، قال جل جلاله : (وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ) ، كناية عن حبسهم للسؤال والتوبيخ ، أو : وقفوا على قضاء ربهم بين عباده ، وعرفوه حق التعريف ، قال لهم الحق جل جلاله : (أَلَيْسَ هذا) الذي كنتم تنكرونه ، (بِالْحَقِّ. قالُوا بَلى وَرَبِّنا) إنه لحق ، ولكنا كنا قوما ضالين ، وهو إقرار مؤكد باليمين ، لانجلاء الأمر غاية الجلاء ، قال تعالى لهم : (فَذُوقُوا) أي : باشروا (الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) أي : بسبب كفركم.
(قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ) ، حيث فاتهم النعيم ، واستوجبوا العذاب المقيم ، والمراد بلقاء الله : البعث وما يتبعه. فاستمروا على التكذيب (حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً) أي : فجأة (قالُوا يا حَسْرَتَنا) أي : يا هلكتنا (عَلى ما فَرَّطْنا) أي : قصّرنا (فِيها) أي : فى الحياة الدنيا ، أو فى الساعة ، أي : فى شأنها والاستعداد لها ، (وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ) ، كناية عن تحمل الذنوب ، لأن العادة حمل الأثقال على الظهور ، وقيل : إنهم يحملونها حقيقة ، وقد روى : أن الكافر يركبه عمله ، بعد أن يتمثل له فى أقبح صورة ، وأن المؤمن يركب عمله ، بعد أن يتصور له فى أحسن صورة. قال تعالى فى شأن الكفار : (أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ) أي : بئس شيئا يزرونه ويرتكبونه فى الدنيا وزرهم هذا ، الذي يتحملونه على ظهورهم يوم القيامة.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3783_albahr-almadid-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
