(وَهُمْ) أيضا (يَنْهَوْنَ عَنْهُ) أي : ينهون الناس عن القرآن ، أو عن الرسول والإيمان به ، (وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ) أي : يبعدون عنه ، فقد ضلوا وأضلوا ، أو ينهون عن التعرض لرسول الله صلىاللهعليهوسلم ، وينأون عنه ؛ فلا يؤمنون ، كأبى طالب ومن كان معه ، يحمى رسول الله صلىاللهعليهوسلم وهو فى مكة. وفى (ينهون) ضرب من ضروب التجنيس من علم البلاغة. قال تعالى : (وَإِنْ) أي : ما (يُهْلِكُونَ) بذلك (إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ) أن ضررهم لا يتعداهم إلى غيرهم.
الإشارة : اعلم أن القلب تحجبه عن تدبر كلام الله والتمتع بحلاوته أربعة حجب :
الأول : حجاب الكفر والشرك ويندفع بالإيمان والإسلام ..
والثاني : حجاب المعاصي والذنوب ، وينخرق بالتوبة والانقلاع.
والثالث : حجاب الانهماك فى الحظوظ والشهوات واتباع الهوى ، وينخرق بالزهد والورع والتعفف ونوع من الرياضة.
والرابع : حجاب الغفلة والخوض فيما لا يعنى ، والاشتغال بالبطالة ، وينخرق باليقظة والتوجه إلى الحق ، والانقطاع إلى الله بكليته ، فإذا انخرقت هذه الحجب عن القلب ، تمتع بحلاوة القرآن ، ومناجاة الحق على نعت القرب والمراقبة.
وبقي حجابان آخران ، إذا خرقهما العبد أفضى إلى مشاهدة المتكلم دون واسطة ، أولهما : حجاب حلاوة الطاعة والمعاملة الظاهرة ، والوقوف مع المقامات أو الكرامات ، فإنها عند العارفين سموم قاتلة. وثانيهما : حجاب الوهم والوقوف مع ظاهر الحس ، دون الوصول إلى باطنه ، فيقف مع الأوانى دون شهود المعاني ، وقد قال الششترى :
|
لا تنظر إلى الأوانى |
|
وخض بحر المعاني |
|
لعلّك ترانى. |
||
وقال الغزالي : الموانع التي تحجب القلب عن الفهم أربعة : الأول : جعل الفهم مقصورا على تحقيق الحروف ؛ بإخراجها من مخارجها ، فهذا يتولى حفظه شيطان وكلّ بالقراء ، يصرفهم عن معانى كلام الله تعالى. الثاني : أن يكون مقلدا لمذهب سمعه بالتقليد وجمد عليه ، من غير وصول إليه ببصيرة. الثالث : أن يكون مصرا على ذنب ، أو متصفا بكبر ، أو مبتلى بهوى فى الدنيا مطاع ، فإن ذلك سبب ظلمة القلب ، وهو كالخبء على المرآة ، فيمنع جلية الحق فيه ، وهو أعظم حجب القلب ، وبه حجب الأكثرون ، الرابع : أن يكون قد قرأ تفسيرا ظاهرا ، واعتقد أنه لا معنى لكلمات القرآن إلّا ما يتأوّل عن ابن عباس ، ومجاهد وغيرهما ، وأن ما وراء ذلك تفسير بالرأى منهى عنه ، فهذا أيضا من الحجب العظيمة ، فإن القرآن بحر لا ساحل له ، وهو مبذول لمن يغرف منه إلى يوم القيامة ، كل على قدر سعته وصفاء قلبه .. ه. بالمعنى.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3783_albahr-almadid-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
