ثم ذكر وعيد أهل الشرك ، فقال :
(وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا وَاللهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤))
قلت : (لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا) ، من قرأ بالرفع والتأنيث : ففتنة اسمها ، و (إلّا أن قالوا) : خبرها ، ومن قرأ بالنصب : فخبر مقدم ، والتأنيث لأجل الخبر ، ومن قرأ بالتذكير والنصب ، فخبر مقدم ، و (إلّا أن قالوا) : اسمها.
يقول الحق جل جلاله : (وَ) اذكر يا محمد (يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ) أي : المشركين ، (جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ) أي : آلهتكم التي جعلتموها شركاء لله ، (الَّذِينَ كُنْتُمْ) تزعمونهم شركاء ، وتودونها وتنتصرون لها ، فيحال بينهم وبينها ، ويتبرأون منها ، كما قال تعالى : (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ) أي : لم تكن عاقبة كفرهم الذي افتتنوا به ، إلا التبرؤ منه ، بعد الانتصار له والتعصب عليه ، أو : لم يكن جواب اختبارهم إلا التبرؤ من الشرك ، فيكذبون ويحلفون عليه ، مع علمهم بأنه لا ينفع من فرط الحيرة والدهشة.
فإن قلت : كيف يجحدون مع قوله : (وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً) (١) فالجواب : أن ذلك يختلف باختلاف الطوائف والمواطن ، فيكتم قوم ويقر آخرون ، ويكتمون فى موطن ويقرون فى موطن آخر ؛ لأن يوم القيامة طويل ، وقال ابن عباس لمّا سئل عن هذا : (إنهم جحدوا ، طمعا فى النجاة ، فختم الله على أفواههم وتكلمت جوارحهم ، فلا يكتمون حديثا).
قال تعالى : (انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ) بنفي الشرك عنها بعد تحققها به ونظيره قوله : (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ) (٢) (وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ) (٣) أي : غاب عنهم ما كانوا يعبدونه من الشركاء افتراء على الله.
الإشارة : من أحب شيئا فهو عبد له ، ويوم القيامة يتبرأ منه ، ويرى وبال فتنته والاشتغال به ، فينبغى لمن أراد السلامة من الفتنة ، أن يفرد محبته لله ، ويتبرأ من كل ما سواه ، ويفرد وجهته لله ، ولا يشتغل ظاهرا ولا باطنا إلا
__________________
(١) من الآية ٤٢ من سورة النساء.
(٢) من الآية : ١٨ من سورة المجادلة.
(٣) من الآية : ٤٢ من سورة يونس.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3783_albahr-almadid-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
