وفى بعض الكتب المنزلة يقول الله تعالى : (يا عبدى ؛ إنما منحتك صفاتى لتعرفنى بها ، فإن ادعيتها لنفسك سلبتك الولاية ، ولم أسلبك صفاتى ، يا عبدى : أنت صفتى وأنا صفتك ، فارجع إلىّ أرجع إليك ، يا عبدى : فيك للعلوم باب مفتاحه أنا ، وفيك للجهل باب مفتاحه أنت ، فاقصد أىّ البابين شئت ، يا عبدى : قربى منك بقدر بعدك عن نفسك ؛ وبعدي عنك بقدر قربك من نفسك ، فقد عرفتك الطريق ، فاترك نفسك تصل إلىّ فى خطرة واحدة ، يا عبدى : كل ما جمعك على فهو منى ، وكل ما فرقك عنى فهو منك ، فجاهد نفسك تصل إلىّ ، وإنى لغنى عن العالمين ، يا عبدى : إن منحتنى نفسك رددتها إليك راضية مرضية ، وإن تركتها عندك فهى أعظم بلية ، فهى أعدى الأعادى إليك فجاهدها تعد بالفوائد إليك).
وفى بعض الآثار المروية عن الله تعالى : «يا عبدى : أنا بدّك اللازم فالزم بدّك». (١) ويمكن أن يشار بالأرض إلى أرض العبودية ، وبالسماء إلى سماء الحقيقة ، وبالسبع سموات إلى سبع مقامات ؛ وهى الصبر والشكر والتوكل والرضى والتسليم والمحبة والمعرفة. والله تعالى أعلم.
ولما ذكر خلق العالم العلوي والسفلى ، ذكر كيفية ابتداء من عمّر العالم السفلىّ من جنس الآدمي ، فقال :
(وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٠) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣١) قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاَّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣))
لمّا أراد الله تعالى عمارة الأرض ، بعد أن عمر السموات بالملائكة ، أخبر الملائكة بما هو صانع من ذلك ؛ تنويها بآدم وتشريفا لذريته ، وتعليما لعباده أمر المشاورة ، فقال لهم : (إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) يخلفنى فى أرضى وتنفيذ أحكامى ، (قالُوا) على وجه الاستفهام ، أو من الإدلال ، إن كان من المقربين ، بعد أن رأوا الجن قد أفسدوا وسفكوا الدماء : (أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها) ، وشأن الخليفة الإصلاح ، (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ) ، أي : نسبح ملتبسين بحمدك ، (وَنُقَدِّسُ لَكَ) ، أي : نطهر أنفسنا لأجلك ، أو ننزهك عما لا يليق بجلال قدسك ، فنحن أحق بالخلافة منهم.
__________________
(١) أخرجه الديلمي فى الفردوس (٥ / ٢٣٠ ح ٨٠٤٠) عن أنس مرفوعا. ورواه الخطيب فى تاريخ بغد ٩ اد ٧٤٢ / ٢ وقال : هذا الحديث موضوع المتن.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3782_albahr-almadid-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
