الإشارة : كيف تنكرون ظهور نور الحق فى الأكوان ، وتبعدون عن حضرة الشهود والعيان ، وقد كنتم أمواتا بالغفلة وغم الحجاب ، فأحياكم باليقظة والإياب ، ثم يميتكم بالفناء عن شهود ما سواه ، ثم يحييكم بالرجوع إلى شهود أثره بالله ، ثم إليه ترجعون فى كل شىء لشهود نوره فى كل شىء ، وقبل كل شىء ، وبعد كل شىء ، وعند كل شىء «كان الله ولا شىء معه ، وهو الآن على ما عليه كان».
ولمّا ذكر نعمة الإيجاد أتبعها بنعمة الإمداد ، فقال :
(هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩))
قلت : (جَمِيعاً) حال مؤكدة من (ما) ، و (ثُمَ) للترتيب الذكرى لا الخارجي (١) ؛ لأن دحو الأرض مؤخر عن خلق السماء ، إلا أن يكون العطف على معنى الجملة ، والتقدير : هو الذي خلق لكم الأرض مشتملة على جميع منافعكم ، ثم استوى إلى السماء فخلقهن سبعا ، ثم دحا الأرض وبسطها.
والتسوية : خلق الأشياء سالمة من العوج والخلل ، و (سبع) : بدل من الضمير ، أو بيان له ، وجملة (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) تعليل لما قبله. أي : ولكونه عالما بكنه الأشياء كلها خلق ما خلق على هذا النمط الأكمل والوجه الأنفع.
يقول الحق جل جلاله على لسان الواسطة : (هُوَ الَّذِي خَلَقَ) لأجلكم (ما) استقر (فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً) تنتفعون به فى الظاهر قوتا لأشباحكم ، ودواء لأبدانكم ، ومتعة لنفوسكم ، وتنتفعون به فى الباطن بالتفكر والاعتبار ، وزيادة فى إيمانكم وقوة لإيقانكم ، ثم قصد (إِلَى السَّماءِ) قصد إرادة ، فخلقهن (سَبْعَ سَماواتٍ) مستوية تامة ، ليس فيها تفاوت ولا خلل ، تظلكم بجرمها ، وتضيء عليكم بشمسها وقمرها وكواكبها ، وقد أحاط علمه بالأشياء كلها ، فلذلك خلقها على هذا النمط الغريب والإتقان العجيب.
الإشارة : يا عبادى خلقت الأشياء كلّها من أجلكم ، الأرض تقلكم ، والسماء تظلكم ، والجهات تكتنفكم والحيوانات تخدمكم ، والنباتات تنفعكم ، وخلقتكم من أجلى ، فكيف تميلون إلى غيرى ، وتنسون إحسانى وبرّى؟!! الأشياء كلها عبيدكم وأنتم عبيد الحضرة ، «أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكوّن ، فإذا شهدت المكوّن كانت الأكوان معك».
__________________
(١) أي : ترتيب الإخبار ، لا ترتيب الأمر فى نفسه.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3782_albahr-almadid-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
