قال الحق جل وعلا : (إِنِّي أَعْلَمُ .....) ما لا تعلمون ؛ فإني أعلم أنه يكون منهم رسل وأنبياء وأولياء ، ومن يكون مثلكم أو أعظم منكم ، ولما ألقى الخليل فى النار ضجت الملائكة وقالت : «يا رب هذا خليلك يحرق بالنار». فقال لهم : «إن استغاث بكم فأغيثوه». فلما رفع همّته عنهم قال الحق تعالى : (أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ) ما لا تعلمون.
ثم وجّه الحق تعالى استحقاقه للخلافة ؛ وهو تشريفه بالعلم ، فقال : (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها) ، أي : مسميات الأسماء ؛ بأن ألقى فى روعه ما تحتاج إليه ذريته من اللغات والحروف ، وخواص الأشياء ومنافعها ، ثم عرض تلك المسميات على الملائكة ، إظهارا لعجزهم ، وتشريفا لآدم بالعلم ، (فَقالَ) : أخبرونى (بِأَسْماءِ هؤُلاءِ) المسميات (إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) فى ادعائكم استحقاق الخلافة ، فلما عجزوا عن معرفة تلك الأسماء (قالُوا سُبْحانَكَ) أي : تنزيها لك عن العبث ، (لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ) بكل شىء ، (الْحَكِيمُ) لإتقانك كل شىء ، وهذا اعتراف منهم بالقصور والعجز ، وإشعار بأن سؤالهم كان استفهاما وطلبا لتفسير ما أشكل عليهم ، ولم يكن اعتراضا.
قال الحق جل جلاله : (يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ) ، وعيّن لهم اسم كل مسمى ، فلما أخبرهم بذلك بحيث قال مثلا : هذا فرس وهذا جمل ، وعين ذلك لهم ، وظهرت ميزته عليهم بالعلم حتى استحق الخلافة ، قال الحق تعالى : (أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي : ما غاب ، وأعلم ما تظهرونه من قولكم : (أَتَجْعَلُ فِيها ..) إلخ ، وما تكتمونه من استحقاقكم الخلافة ، وقولكم : لن يخلق الله تعالى أحدا أعلم منا لتقدمنا ، والفضل لمن صدق لا لمن سبق.
قال البيضاوي : اعلم أن هذه الآيات تدل على شرف الإنسان ، ومزية العلم وفضله على العبادة ، وأنه شرط فى الخلافة ، بل العمدة فيها ، وأن التعليم يصح إطلاقه عليه تعالى ، وإن لم يصح إطلاق المعلم عليه ؛ لاختصاصه بمن يحترف به ، وأن اللغات توقيفية ـ علمها الله بالوحى ـ ، وأن آدم عليهالسلام أفضل من هؤلاء الملائكة ؛ لأنه أعلم منهم ، والأعلم أفضل لقوله تعالى : (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) ، وأن الله يعلم الأشياء قبل حدوثها. ه. باختصار.
وقال فى تفسير الملائكة : إنهم أجسام لطيفة قادرة على التشكل ، وهى منقسمة على قسمين : قسم شأنهم الاستغراق فى معرفة الحق والتنزه عن الاشتغال بغيره ، ـ وهم العليّون ، والملائكة المقربون ـ وقسم يدبرون الأمر من
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3782_albahr-almadid-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
