ثم وعد المطيعين وعدا جميلا ، وخيرا جزيلا ، ترغيبا فى امتثال ما أمر به من طاعة الرسول ، فقال :
(وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (٦٩) ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللهِ وَكَفى بِاللهِ عَلِيماً (٧٠))
قلت : «رفيقا» : تمييز لما فى (حسن) من معنى التعجب أو المدح ، ولم يجمع ؛ لأن فعيلا يحمل على الواحد والجمع ، أو لأنه أريد حسن كل واحد منهم.
يقول الحق جل جلاله : (وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ) ويرضى بأحكامهما ويمتثل أمرهما ويجتنب نهيهما ، (فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ) ، وهم أكرم الخلق عند الله وأعظمهم قدرا (مِنَ النَّبِيِّينَ) والمرسلين (وَالصِّدِّيقِينَ) وهم من كثر صدقهم وتصديقهم وعظم يقينهم ؛ وهم الأولياء العارفون بالله ، (وَالشُّهَداءِ) الذين ماتوا جهادا فى سبيل الله ، (وَالصَّالِحِينَ) وهم العلماء الأتقياء ، ومن صلح حاله من عامة المسلمين.
قال البيضاوي : قسمهم أربعة أقسام ، بحسب منازلهم فى العلم والعمل ، وحث كافة الناس على ألّا يتأخروا عنهم. وهم : الأنبياء الفائزون بكمال العلم والعمل ، المتجاوزون حد الكمال إلى درجة التكميل. ثم الصديقون الذين صعدت نفوسهم تارة بمراقى النظر فى الحجج والآيات ، وأخرى بمعارج التصفية والرياضات إلى أوج العرفان ، حتى اطلعوا على الأشياء وأخبروا عنها على ما هى عليها. ثم الشهداء الذين أدى بهم الحرص على الطاعة والجد فى إظهار الحق ، حتى بذلوا مهجهم فى إعلاء كلمة الله ، ثم الصالحون الذين صرفوا أعمارهم فى طاعته ، وأحوالهم فى مرضاته. ولك أن تقول : المنعم عليهم هم العارفون بالله ، وهؤلاء إما أن يكونوا بالغين درجة العيان ، أو واقفين فى مقام الاستدلال والبرهان ، والأولون إما أن ينالوا مع العيان القرب ، بحيث يكونون كمن يرى الشيء قريبا ، وهم الأنبياء ، أو لا ، فيكونون كمن يرى الشيء بعيدا ، وهم الصديقون ، والآخرون إما أن يكون عرفانهم بالبراهين القاطعة ، وهم العلماء الراسخون الذين هم شهداء الله فى أرضه. وإما أن يكون بأمارات وإقناعات تطمئن إليها نفوسهم ، وهم الصالحون. انتهى كلامه.
وفيه نظر من وجهين : أحدهما : أنه أطلق على أهل الاستدلال أنهم عارفون ، ولا يقال عند الصوفية فيه عارف ، حتى يترقى عن مقام الاستدلال ، وإلا فهو عالم فقط ، والثاني : أنه جعل الصديقين بمنزلة من يرى الشيء بعيدا ،
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3782_albahr-almadid-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
