وأهل الفناء لم يبق لهم بعد ، بل غابوا فى القرب حتى امتحى اسمهم ورسمهم. فأىّ بينونة وأىّ بعد يبقى للعارف؟
لو لا فقدان الذوق ، ولكن لكلّ فن أربابه ، وسيأتى فى الإشارة تحقيق ذلك إن شاء الله. ثم قال جل جلاله : (وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً) أي : ما أحسنهم رفقا فى الفراديس العلى ، فهم يتمتعون فيها برؤيتهم وزيارتهم والحضور معهم ، وإن كانوا أعلى منهم ، فلا يلزم من كونه معهم أن تستوى درجته معهم ، قال فى الحاشية : وتعقل مرافقة من دون النبي فى المدانات من حاله وكشفه ، بحيث لا يحجب عنه ، وإن كان لا مطمع له فى منزلته ، واعتبر برؤية البصائر له وعدم غيبته عنهم وأنسهم به والاستفادة منه ، وروى عنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنه قال : «يزور الأعلون من أهل الجنة الأسفلين ، ولا يزور الأسفلون الأعلين ، إلا من كان يزور فى الله فى الدنيا ، فذلك يزور فى الجنة حيث شاء».
روى أن ثوبان مولى رسول الله صلىاللهعليهوسلم أتاه يوما وقد تغيّر وجهه ونحل جسمه ، فسأله عليه الصلاة والسلام عن حاله ، فقال : ما بي وجع ، غير أنّى إذا لم أرك اشتقت إليك ، واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك ، ثمّ ذكرت الآخرة فخفت ألا أراك هناك ؛ لأنى عرفت أنك ترفع مع النّبيّين. وإن دخلت الجنّة ، كنت فى منزل أدون من منزلك ، وإن لم أدخل الجنّة فذلك حرىّ ألا أراك أبدا. فنزلت الآية (وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ ...) إلخ.
(ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللهِ) إشارة إلى ما للمطيعين من الأجور ، ومزيد القرب والحضور ، وأنه فضل تفضل على عباده ، (وَكَفى بِاللهِ عَلِيماً) بمقادير الأعمال والمقامات ، فيجازى كلّا على حسب مقامه. والله تعالى أعلم.
الإشارة : اعلم أن الطاعة التي توجب المعية الحسية فى النعيم الحسى الجسماني هى الطاعة الظاهرة الحسية. والطاعة التي توجب المعية المعنوية فى النعيم الروحاني هى الطاعة الباطنية القلبية. فالمعية الحسية صاحبها مفروق ، والمعية المعنوية صاحبها مجموع ، لا يغيب عن حبيبه لحظة. هؤلاء هم الصديقون المقربون. وفوقهم الأنبياء ، وتحتهم الشهداء والصالحون.
وبيان ذلك أن العلم بالله تعالى : إما أن يكون عن كشف الحجاب وانقشاع السحاب ، أعنى سحاب الأثر ، وهم أهل الشهود والعيان. وإما أن يكون من وراء الحجاب ، يأخذون أجرهم من وراء الباب ، يستدلون بالآثار على المؤثر. وهم أهل الدليل والبرهان. والأولون إما أن يرتقوا إلى مكافحة الوحى ورؤية الملائكة الكرام. وهم الأنبياء والرسل ـ عليهم الصلاة والسلام ـ ، وإما أن يقصروا عن درجة الوحى ويكون لهم وحي إلهام ، وهم الصديقون ؛ أهل الحال والمقام ، فقد اشتركوا فى مقام العيان. لكن مقام الحضرة فضاؤه واسع ، والترقي فى معارج أسرار التوحيد غير
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3782_albahr-almadid-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
