إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ) وهم المخلصون. قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : (لو كتب ذلك علينا لكنت أنا أول خارج). قال ثابت بن قيس بن شماس : (لو أمرنى رسول الله صلىاللهعليهوسلم أن أقتل نفسى لفعلت). وكذلك قال عمر وعمار بن ياسر وابن مسعود وناس من أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوسلم : لو أمرنا لفعلنا. فبلغ ذلك النبي صلىاللهعليهوسلم فقال : «إنّ من أمّتى رجالا : الإيمان فى قلوبهم أثبت من الجبال الرّواسى». فهؤلاء من القليل.
وسبب نزول قوله : (فَلا وَرَبِّكَ ..) إلخ : قضية الزّبير مع حاطب فى شراج الحرّة (١) ، كانا يسقيان به النّخل ، فتخاصما إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقال عليهالسلام : «اسق يا زبير وأرسل إلى جارك» ، فقال حاطب : لأن كان ابن عمتك. فقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ : «اسق يا زبير ، واحبس الماء حتّى يبلغ الجدر (٢) واستوف حقك». وقيل : نزلت فى اليهودي مع المنافق المتقدم ، وهو أليق بالسياق.
(وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ) من طاعة الرسول ، والرضى بحكمه ، (لَكانَ خَيْراً لَهُمْ) فى آجلهم وعاجلهم ، (وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً) فى دينهم وقوة فى إيمانهم ، أو تثبيتا لثواب أعمالهم ، (وَإِذاً) لو فعلوا ذلك (لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً) يصلون بسلوكه إلى حضرة القدس ، ودوام الأنس ، ويفتح لهم أسرار العلوم ، ومخازن الفهوم ، قال صلىاللهعليهوسلم : «من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم». والله تعالى أعلم.
الإشارة : كما أمر الله بطاعة رسوله صلىاللهعليهوسلم فى حياته ، أمر بطاعة ورثته بعد مماته ، وهم العلماء الأتقياء الذين يعدلون فى الأحكام ، والأولياء العارفون الذين يحكمون بوحي الإلهام ، فالعلماء حكّام على العموم ، والأولياء حكام على الخصوص ، أعنى من تعلق بهم من أهل الإرادة ، فمن لم يرض بحكم العلماء ، ووجد فى نفسه حرجا مما قضوا به عليه ، ففيه شعبة من النفاق ، وخصلة من المنافقين. ومن لم يرض بحكم الأولياء فقد خرج من دائرتهم ، ومن عش تربيتهم ، لأن حكم الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ وحكم ورثته هو حكم الله ، ومن لم يرض بحكم الله خرج عن دائرة الإيمان.
فلا يكمل إيمان العبد حتى لا يجد فى نفسه حرجا من أحكام الله ، القهرية والتكليفية ، ويسلم لما يبرز من عنصر القدرة الأزلية ، كيفما كان ، فقرا أو غنى ، ذلّا أو عزا ، منعا أو عطاء ، قبضا أو بسطا ، مرضا أو صحة ، إلى غير ذلك من اختلاف المقادير. ويرضى بذلك ظاهرا وباطنا ، وينسلخ من تدبيره واختياره ؛ إلى اختيار مولاه فهو أعلم بمصالحه ، وأرحم به من أمه وأبيه : وبالله التوفيق. وهو الهادي إلى سواء الطريق.
__________________
(١) الشراج : جمع شرجة ، وهى مسيل الماء من الحرّة إلى السهل ، والحرة : هى الأرض ذات الحجارة السوداء.
(٢) الجدر : أي : الجدار الذي يحيط بالمزرعة ، وهو أصغر من الجدار.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3782_albahr-almadid-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
