الحبس ، والله غفور لمن تنزل لعلة ما تقدم ، رحيم حين جعل له الرخصة ، (يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ) سلوك الطريق إلى عين التحقيق ، ويهديكم طرق الوصول ، كما هدى من قبلكم ، ويتوب فيما خطر ببالكم ، من الفترة أو الوقفة ، والله يريد أن يتعطف عليكم ، لترجعوا إليه بكليتكم. وأهل الغفلة المنهمكون فى الشهوات ، يريدون ميلكم عن طريق الوصول إلى حضرة ربكم ، يريد الله أن يخفف عنكم ، فلا يحملكم من الواردات إلا ما تطيقه طاقتكم ، لأنكم ضعفاء إلا إن قوّاكم. اللهم قونا على ما نريد ، وأيدنا فيما تريد ، إنك على كل شىء قدير.
ولمّا ذكر ما يتعلق بحفظ أموال اليتامى وأموال النساء ، وانجر الكلام إلى ما يتعلق بهن من حدودهن ، وما يحل وما يحرم منهن ، ذكر ما بقي من حفظ أموال الرجال ، فقال :
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ ...)
قلت : الاستثناء منقطع ، وكان تامة لمن رفع ، وناقصة لمن نصب ، واسمها : ضمير الأموال ، على حذف مضاف ، إلّا أن تكون الأموال أموال تجارة.
يقول الحق جل جلاله : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ) الذي لا تجوزه الشريعة ، كالربا والقمار ، والغصب والسرقة ، والخيانة والكهانة والسحر وغير ذلك. (إِلَّا أَنْ تَكُونَ) ، أي : لكن إن وجدت (تِجارَةً) صحيحة (عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ) أي : اتفاق منكم على البيع ، وبه استدلت المالكية على انعقاد البيع بالعقد ولو لم يحصل تفرق بالأبدان.
وقال الشافعي : إنما يتم بالتفرق بالأبدان ، لقوله ـ عليه الصلاة والسلام : «البيّعان بالخيار ما لم يتفرّقا». وحمله مالك على التفرق بالكلام ، وقال أكثر المفسرين : التخيير ، هو أن يخير كل واحد منهما صاحبه بعد عقد البيع. وقد ابتاع عمرو ابن جرير فرسا ، ثم خيّر صاحبه بعد البيع ، ثم قال : سمعت أبا هريرة يقول : البيع عن تراض. قال البيضاوي : وتخصيص التجارة من الوجوه التي يحل بها انتقال مال الغير ، لأنها أغلب وأوفق لذوى المروءات ، ويجوز أن يراد بها الانتقال مطلقا. وقيل : المقصود بالنهى : صرف المال فيما لا يرضاه الله تعالى ، وبالتجارة : صرفه فيما يرضى. ه.
الإشارة : لا تصرفوا أموالكم ولا أحوالكم فى غير ما يقربكم إلى الحق ؛ فإن ما سوى الحق كله باطل ، كما قال الشاعر :
|
ألا كلّ شىء ما خلا الله باطل |
|
وكلّ نعيم لا محالة زائل (١) |
__________________
(١) راجع التعليق على هذا البيت عند إشارة الآية [١٥٠] من سورة البقرة.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3782_albahr-almadid-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
