(وَاللهُ غَفُورٌ) لكم فيما سلف من المخالفة ، (رَحِيمٌ) بكم ، حيث رخّص لكم عند خوف الإثم نكاح الأمة ، (يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ) شرائع دينكم ، ومصالح أموركم ، (وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) أي : مناهج من تقدمكم من أهل الرشد ، كالأنبياء والصالحين ، لتسلكوا مناهجهم ، كحفظ الأموال والأنساب ، وتحريم الأمهات والبنات والأخوات ، فإنهن محرمات على من قبلكم ، (وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ) أي : يغفر ذنوبكم الماضية ، أو يرشدكم إلى التوبة ، أو يمنعكم من المعاصي بالعصمة. (وَاللهُ عَلِيمٌ) بما أسلفتم وما تستقبلونه من أفعالكم ، (حَكِيمٌ) بما دبر وأبرم.
(وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ) كرره توطئة لقوله : (وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا) عن الحق (مَيْلاً عَظِيماً) بموافقتهم على اتباع الشهوات واستحلال المحرمات ، وكأنه تعالى يقول : إنا نريد توبتكم ورشدكم ، والذين يتبعون الشهوات يريدون ميلكم وإضلالكم ، والمراد بهم الزناة ؛ لأنهم يودون أن يكون الناس كلهم زناة ، وأمّا من تعاطى شهوة النكاح فى الحلال ، فإنه متبع للحق لا لهم ، وقد قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ : «تناكحوا تناسلوا ، فإنّى مباه بكم الأمم يوم القيامة». وقد كان سيدنا على ـ كرم الله وجهه ـ أزهد الصحابة ، وكان له أربع حرائر وسبع جوارى سرّيّات ، وقيل : سبع عشرة ، وقيل : المراد بهم اليهود والنصارى ، لأن اليهود يحلون الأقارب من الأب وبنات الأخ وبنات الأخت. وقيل : المجوس.
(يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ) فلذلك شرع لكم الشريعة الحنيفية السمحة السهلة ، ورخص لكم عند المضايق فى نكاح الأمة. (وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً) فى كل شىء ، لأنه خلق من ضعف ، ويؤول إلى ضعف ، أسير جوعة ، صريع شبعة ، وخصوصا عن شهوة النساء ، فإنه لا يصبر عن الجماع ، ولا يكون فى شىء أضعف منه فى أمر النساء ، وعن عبادة ابن الصامت رضي الله عنه أنه قال : (ألا ترونى أنى لا أقوم إلا رفدا (١) ، ولا آكل إلا ما ليّن لى ، وقد مات صاحبى ـ يعنى ذكره ـ منذ زمان ، وما يسرنى أنى خلوت بامرأة لا تحل لى ، وأن لى ما تطلع عليه الشمس ، مخافة أن يأتينى الشيطان فيحركه ، على أنه لا سمع له ولا بصر.).
قال ابن عباس : ثمانى آيات فى سورة النساء ، هى خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت ، (يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ) ، (وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ) ، (يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ) ، (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ ...) الآية ، (إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ...). الآية ، (إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ...) ، (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ...) الآية ، (ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ ...) الآية. ه.
الإشارة : إنما ينزل المريد إلى العلوم الرسمية ، أو الأعمال الحسية ، إذا خشى الانمحاق أو الاصطلام فى بحر الحقائق ، وإن صبر وتماسك ، حتى يتقوى على حمل أعبائها ، فهو خير له ، لأن الرجوع إلى الحس ، لا يؤمن من
__________________
(١) أي : إلّا بمعاونة غيرى.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3782_albahr-almadid-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
