جاهلة بالله. فإن فاءت ورجعت إلى الله ، وارتاضت لحضرة الله ، وجبت محبتها والاصطلاح معها ؛ لأن النفس بها ربح من ربح ، ومنها خسر من خسر ، من عرف قدرها ، واحتال عليها حتى ردها إلى ربها ـ ربح ، ومن أهملها وجهل قدرها ـ خسر ، وكان شيخ شيوخنا يقول : جزاها الله عنا خيرا ؛ والله ما ربحنا إلا منها ، يعنى نفسه. وفى بعض الآثار : (من عرف نفسه عرف ربه). وإن عزموا الطلاق ، يعنى : العباد والزهاد عزموا ألا يرجعوا إلى أنفسهم أبدا ، فإن الله سميع عليم بقصدهم ؛ هل قصدهم طلب الحظوظ أو محبة الحبيب ، وأما العارفون فلا تبقى لهم معاداة مع أحد قط ، قد اصطلحوا مع الوجود بأسره ، فمكنهم الله من التصرف فى الوجود بأسره. والله ذو الفضل العظيم.
ثم ذكر الحق تعالى عدة الطلاق ، فقال :
(وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً ...)
قلت : القرء هو الطهر الذي يكون بعد الحيض ، عند مالك ، وجمع القلة : أقراء ، والكثرة : قروء ، واستعمله هنا باعتبار كثرة المطلقات ، و (ثلاثة) : مفعول مطلق ، أو ظرف ، و (بعولتهن) : جمع بعل ، والتاء لتأنيث الجماعة.
يقول الحق جل جلاله : (وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ) أي : يمكثن عن التزوج ، (بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) أي : أطهار ، وتعتدّ بالطهر الذي طلقها فيه ، فتحيض ، ثم تطهر ، ثم تحيض ، ثم تطهر ، فإذا رأت الحيضة الثالثة خرجت من العدة ، هذا فى غير الحامل ، وأما الحامل فعدتها وضع حملها. (وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَ) من الولد ؛ استعجالا لإتمام العدة ، أو من الحيض ؛ استبقاءا لتمادى العدة ، وتصدّق فى ذلك كله ، فإن كانت (يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) فلا يحل لها أن تكتم ما استؤمنت عليه ، (وَبُعُولَتُهُنَ) أي : أزواجهن ، (أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ) التربص ، إن كان الطلاق رجعيا ، وإلا بانت منه ، وينبغى للزوج أن يراجعها فى العدة ، إن أراد بذلك الإصلاح والمودة ، لا الإضرار بها ، وإلا حرم عليه ارتجاعها ، إذ «لا ضرر ولا ضرار» ، كما قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ.
الإشارة : إذا طلّقت النّفس ، ووقع البعد منها حتى طهرت ثلاثة : الطهر الأول : من الإصرار على الذنوب والمخالفات ، الطهر الثاني : من العيوب والغفلات ، الطهر الثالث : من الركون إلى العادات والوقوف مع المحسوسات ، دون المعاني وأنوار التجليات ـ حلّت رجعتها والاصطلاح معها ، ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله فى أرحامهن : من العلوم والمعارف والأنوار ، وذلك إذا استشرفت على حضرة الأسرار ، فإنها تفيض بالعلوم والحكم ،
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3782_albahr-almadid-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
