الإشارة : يقول الحق جل جلاله : (لا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ) ، ولكن اجعلوه عرضة لتعظيم قلوبكم ومشاهدة لأسراركم ، فإنى ما أظهرت اسمى لتبتذلوه فى الأيمان والجدال ، وإنما أظهرت اسمى لتتلقّوه بالتعظيم والإجلال ، فمن عظّم اسمى فقد عظم ذاتى ، ومن عظم ذاتى جعلته عظيما فى أرضى وعند أهل سمواتى ، وجعلته برا تقيا ، من أهل محبتى وودادي ، وداعيا يدعو إلى معرفتى ، ويصلح بينى وبين عبادى ، فمن حلمى ورأفتى : أنى لا أؤاخذ بما يجرى على اللسان ، وإنما أؤاخذ بما يقصده الجنان.
تنبيه : كثرة الحلف مذموم يدل على الخفة والطيش ، وعدم الحلف بالكلية تعسف ، وخير الأمور أوسطها ، كان عليه الصلاة والسلام يحلف فى بعض أحيانه ، يقول : «لا ومقلّب القلوب» ، : «والّذى نفس محمّد بيده». الله تعالى أعلم.
ثم أشار الحق تعالى إلى حكم الإيلاء ، فقال :
(لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧))
قلت : (الإيلاء) : يمين زوج مكلّف على عدم وطء زوجته ، أكثر من أربعة أشهر. وآلى : بمعنى حلف ، يتعدى بعلى ، ولكن لما ضمّن هنا معنى البعد من المرأة ، عدّى بمن ، و (تربص) : مبتدأ ، و «للذين يؤلون» : خبر.
يقول الحق جل جلاله : (لِلَّذِينَ) يبعدون (مِنْ نِسائِهِمْ) ويحلفون ألّا يجامعوهن أكثر من أربعة أشهر ، غضبا وقصدا للإضرار ، (تَرَبُّصُ) أي : تمهل (أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) ، لا يطالب فيهن بفيئة ولا حنث ، (فَإِنْ فاؤُ) أي : رجعوا عما حلفوا عليه ، وحنثوا وكفّروا أيمانهم ، (فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ) لما قصدوا من الإضرار ، بالفيئة التي هى كالتوبة ، (رَحِيمٌ) بهم ؛ حيث لم يعاجلهم بالعقوبة ، (وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ) أي : صمموا عليه ، ولم يرجعوا عما حلفوا عليه ، (فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ) لطلاقهم ، (عَلِيمٌ) بقصدهم ونيتهم. ومذهب مالك والشافعي : أن القاضي يوقفه : إما أن يرجع بالوطء إن قدر ، أو بالوعد إن عجز ، أو يطلّق عليه طلقة رجعية ، عند مالك. ومذهب أبى حنيفة : أنها تبين بمجرد مضى أربعة أشهر. وأحكام الإيلاء مقررة فى كتب الفقه.
الإشارة : لا ينبغى للعبد أن يصرف عمره كله فى معاداة نفسه ومجانبتها ، إذ المقصود هو الاشتغال بمحبة الحبيب ، لا الاشتغال بعداوة العدو ، فلمجاهدة نفسه ومجانبتها حد معلوم ووقت مخصوص ، وهو ما دامت جموحة
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3782_albahr-almadid-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
