قلت : الصبر : هو حبس القلب على حكم الرب ، فيحتمل أن يراد به ظاهره ، أو يراد به هنا الصوم ، لأن فيه الصبر عن الشهوات. والخشوع فى الجوارح : سكونها وذلها ، والخضوع فى القلب : انقياده لحكم الرب.
يقول الحق جل جلاله : يا من ابتلى بالرئاسة والجاه ، واستكبر عن الانقياد لأحكام الله ؛ التي جاءت بها الرسل من عند الله ، استعن على نفسك (بِالصَّبْرِ) على قطع المألوفات ، وترك الحظوظ والشهوات ، وأصل فروعها حب الرئاسة والجاه ، فمن صبر على تركهما فاز برضوان الله. وفى الحديث : «وفى الصبر على ما تكره خير كثير». وقال الشاعر :
|
والصّبر كالصبر مرّ فى مذاقته |
|
لكن عواقبه أحلى من العسل |
أو : (وَاسْتَعِينُوا) بالصوم (وَالصَّلاةِ) ، فإن فى الصوم كسر الشّهوة وتصفية النفس ، فإذا صفت النفس من الرذائل تحلت بأنواع الفضائل ، كالتواضع والإنصاف ، والخشوع وسائر سنى الأوصاف ، وفى الصلاة أنواع من العبادات النفسية والبدنية ، كالطهارة ، وستر العورة ، وصرف المال فيهما ، والتوجه إلى الكعبة ، والعكوف للعبادة ، وإظهار الخشوع بالجوارح ، وإخلاص النية بالقلب ، ومجاهدة الشيطان ، ومناجاة الرحمن وقراءة القرآن ، وكف النفس عن الأطيبين (١) ، وفى الصلاة قضاء المآرب وجبر المصائب ، ولذلك كان ـ عليه الصلاة والسلام ـ إذا حزيه أمر فزع إلى الصلاة ، (وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ) أي : شاقة على النفس ؛ لتكريرها فى كل يوم ، ومجيئها وقت حلاوة النوم ، (إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ) الذين سكنت حلاوتها فى قلوبهم ، وتناجوا فيها مع ربهم ، حتى صارت فيها قرّة عينهم.
الذين يتيقنون (أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ) فيتنعمون بالنظر إلى وجهه الكريم ، ويتيقنون أيضا أنهم راجعون إلى ربهم بالبعث والحشر للثواب والعقاب ، وإنما عبّر الحق تعالى هنا بالظن فى موضع اليقين إبقاء على المذنبين ، وتوفرا على العاصين ، الذين ليس لهم صفاء اليقين ؛ إذ لو ذكر اليقين صرفا لخرجوا من الجملة ، فسبحانه من رب حليم ، وجواد كريم. اللهم امنن علينا بصفاء المعرفة واليقين ، حتى لا يختلج قلوبنا وهم ولا ريب ، يا رب العالمين.
الإشارة : يا من رام الدخول إلى حضرة الله ، تذلل وتواضع لأولياء الله ، وتجرع الصبر فى ذلك كى يدخلوك حضرة الله ، كما قال القائل :
|
تذلل لمن تهوى ؛ فليس الهوى سهل (٢) |
|
إذا رضى المحبوب صحّ لك الوصل |
__________________
(١) أي : الأكل والجماع. قاله الشهاب الخفاجي فى حاشيته على البيضاوي ٤٥١ / ٢.
(٢) أرى أن يكون : (تذلل لمن تهوى فما فى الهوى سهل).
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3782_albahr-almadid-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
