يقول الحق جل جلاله فى توبيخ أحبار اليهود ، كانوا إذا استرشدهم أحد من العرب دلوه على الإسلام ، وقالوا له : دين محمد حق ، وهم يمتنعون منه ، وقيل : كانوا يأمرون الناس بالصدقة وهم يبخلون ، فقال لهم : كيف (تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ) والإحسان ، وتتركون (أَنْفُسَكُمْ) فى الكفر والعصيان ، وأنتم تدرسون التوراة الصحيح ، وتعلمون أن ذلك من أقبح القبيح؟ ، أفلا عقل لكم يزجركم عن هذه الخصلة الذميمة؟ ؛ فإن من شأن العقل التمييز بين القبيح والحسن والنافع والضار ، فكل من تقدم لما فيه ضرره فلا عقل له.
الإشارة : كل من أشار إلى مقام لم يبلغ قدمه إليه ، فهذا التوبيخ متوجّه إليه ، وكل من ذكر غيره بعيب لم يتخلص منه ، قيل له : أتأمر الناس بالبر وتنسى نفسك خالية منه ، فلا يسلم من توبيخ هذه الآية من أهل التذكير إلا الفرد النادر من أهل الصفاء والوفاء.
وقال البيضاوي : (المراد بها حث الواعظ على تزكية النفس ، والإقبال عليها بالتكميل لتقوم فيقيم ، لا منع الفاسق عن الوعظ ، فإن الإخلال بأحد الأمرين المأمور بهما لا يوجب الإخلال بالآخر). فانظره. وتأمل قول القائل :
|
يا أيها الرجل المعلّم غيره |
|
هلّا لنفسك كان ذا التعليم |
|
تصف الدواء لذى السقام وذى الضنا |
|
ومن الضنا وجواه أنت سقيم |
|
وأراك تلقح بالرشاد عقولنا |
|
نصحا ، وأنت من الرشاد عديم |
|
ابدأ بنفسك فانهها عن غيّها |
|
فإذا انتهت عنه فأنت حكيم |
|
فهناك يقبل إن وعظت ، ويقتدى |
|
بالقول منك ، وينفع التعليم |
|
لا تنه عن خلق وتأتى مثله |
|
عار عليك إذا فعلت عظيم |
لكن من حصل له بعض الصفاء ، ذكر غيره ونفسه معهم ، وكان بعض أشياخنا يقول حين يذكر الفقراء : نحن إنما ننبح على نفوسنا.
ثم أشار الحق تعالى إلى الدواء ، فقال :
(وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ (٤٦))
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3782_albahr-almadid-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
