محمد صلىاللهعليهوسلم وصفته التي فى كتابكم ، (بِالْباطِلِ) الذي تريدونه تحريفا وتأويلا ، (وَ) لا (تَكْتُمُوا الْحَقَ) الذي عندكم ؛ من ذكر محمد وصحة رسالته ، (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أنكم محرفون ، ولابسون عنادا وحسدا ، فيحل عليكم غضبى وعقابى ، (وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى). فإذا حصلتم أصول الدين ، وهو الإيمان ، فاشتغلوا بفروعه ، وهى الصلاة والزكاة وغيرهما ، فأدوهما على منهاج المسلمين. واجعلوا صلاتكم فى جماعة المؤمنين ؛ فإنّ صلاة الجماعة تفضل غيرها بسبع وعشرين درجة ، مع سريان الأسرار واقتباس الأنوار من الصالحين والأبرار ، وبالله التوفيق.
الإشارة : إذا توجّه الخطاب إلى طائفة مخصوصة ، حمله أهل الفهم عن الله على عمومه لكل سامع ، فإن الملك إذا عاتب قوما بمحضر آخرين ، كان المراد بذلك تحذير كل من يسمع ، فكأن الحق جل جلاله يقول : يا بنى آدم اذكروا نعمتى التي أنعمت عليكم ، وتفكروا فى أصولها وفروعها ، واشكروني عليها بنسبتها إلىّ وحدى ، فإنه لا منعم غيرى ، فمن شكرنى شكرته ، ومن فيض إحسانى وبرى مددته ، ومن كفر نعمتى سلبته ، وعن بابى طردته ، وأوفوا بعهدي بالقيام بوظائف العبودية ، أوف بعهدكم بأن أطلعكم على أسرار الربوبية.
أو : أوفوا بعهدي بالقيام برسوم الشريعة ، أوف بعهدكم بالهداية إلى منار الطريقة ، أو : أوفوا بعهدي بسلوك منهاج الطريقة ، أوف بعهدكم بالإيصال إلى عين الحقيقة ، أو : أوفوا بعهدي بالاستغراق فى بحر الشهود ، أوف بعهدكم بالترقي أبدا إلى الملك الودود ، وخصونى بالرهب والرغب ، وتوجهوا إلىّ فى كل سؤال وطلب ، أعطف عليكم بعنايتى وودى ، وأمنحكم من عظيم إحسانى ورفدى ، وآمنوا بما أنزلت على قلوب أوليائى ، من مواهب أسرارى وآلائي ، تصديقا لما أتحفت به رسلى وأنبيائى ، فكل ما ظهر على الأولياء فهو معجزة للأنبياء وتصديق لهم ، ولا تبادروا بالإنكار على أوليائى ، فتكونوا سببا فى طرد عبادى عن بابى ، ولا يمنعكم حب الرئاسة والجاه عن الخضوع إلى أوليائى ، ولا ترقبوا أحدا غيرى ، فإنى أمنعكم من شهود سرى.
ولا تلبسوا الحق بالباطل ، فتظهروا شعار الصالحين وتبطنوا أخلاق الفاسقين ، تتزيوا بزى الأولياء ، وتفعلوا فعل الأغوياء ، وإذا تحققتم بخصوصية أحد من عبادى ، فلا تكتموها عن أهل محبتى وودادي ، وأقيموا صلاة القلوب بالخضوع تحت مجارى الأقدار ، وأدوا زكاة النفوس بالذل والانكسار ، وكونوا مع الخاشعين ، واركعوا مع الراكعين ، أمنحكم معونتى ونصرى ، وأفيض عليكم من بحر إحسانى وبرى ، أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلى.
ثم وبّخ الحق تعالى من عرف الحق وحرم نفسه منه من أهل الكتاب وغيرهم ، فقال :
(أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٤٤))
قلت : البر ، بالكسر : يجمع وجوه الخير وأنواع الطاعات ، والنسيان : الترك.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3782_albahr-almadid-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
