الكلمة طنين ولا بريق ، انها حينئذ تستمد قوتها من واقعها لا من رنينها ، وتستمد جمالها من صدقها لا من بريقها ، انها حينئذ دفعة حياة لانها منبثقة من حياة.
والمطابقة بين القول والفعل ، وبين العقيدة والسلوك ليست مع هذا أمرا هينا ولا طريقا معبدا ، انها في حاجة الى رياضة وشجاعة وجهد ومحاولة شديدة ، والى صلة بالله عزوجل ، واستعداد منه واستعانة بهديه ، فملابسات الحياة وضرورياتها واضطراراتها كثيرا ما تنأى بالفرد في واقعه عما يعتقده في ضميره ، أو عما يدعو اليه غيره ، والفرد فاني ما لم يتصل بالقوة الخالدة ضعيف مهما كانت قوته ، لان قوى الشر والطغيان والاغواء أكبر منه ، وقد يغالبها مرة ، ولكن لحظة ضعف تنتابه فيتخاذل ويتهاوى ، ويخسر ماضيه وحاضره ومستقبله ، فاما وهو يركن الى قوة الأزل والابد ، فهو قوي قوي ، أقوى من كل قوي ، وأقوى من كل شهوة وضعف ، قوي على ضرورياته واضطراراته قوي على ذوي المال والجاه.
ومن ثم يوجه القرآن الى اليهود والنصارى الذين كان واجههم أولا ، ويوجه الى الناس كلهم ضمنا ، الى الاستعانة بالصبر والاستعانة بالصلاة ، وخصوصا للمسلمين المؤمنين وكان الواجب يدعو اليهود والنصارى أن يكونوا أول من يسارع الى حصن الاسلام وتصديق نبيه ص وآله وان يؤثروا الحق الذي يعلمونه على دنياهم وهواهم وعلى مركزهم الخاص الذي يتمتعون به في حياتهم ـ ولا يبعد لو فعلوا ذلك لأبقى الله لهم دنياهم وفازوا بدينهم ـ وان الواجب يدعوهم أن يدخلوا في موكب المسلمين ويدعوا الناس الى الاسلام الذي هو دين الله الحق والعدل دون سواه حسب معتقدهم وشرايعهم ، ولكن فقدانهم قوة الصبر والشجاعة دعاهم الى الاحجام والانكار ومخالفة معتقداتهم
![تفسير البيان الصافي لكلام الله الوافي [ ج ٢ ] تفسير البيان الصافي لكلام الله الوافي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3757_tafsir-albayan-alsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
