(أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٤٤))
ومع أن هذا النص القرآني كان يواجه ابتداء حالة واقعة من بني اسرائيل فانه في ايحائه للنفس البشرية ، ولرجال الدين بصفة خاصة ، دائم لا يخص قوما دون قوم ولا يعني جيلا دون جيل.
فان آفة رجال الدين ـ حين يصبح الدين حرفة وصناعة ، لا عقيدة حارة دافعة ـ انهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ، يأمرون بالخير ولا يفعلونه ، ويدعون الى البر ويهملونه ، ويحرفون الكلم عن مواضعه ، ويؤولون النصوص القاطعة خدمة للغرض والهوى ، ويجدون فتاوى وتأويلات قد اتفق في ظاهرها مع ظاهر النصوص.
ولكنها تختلف في حقيقتها عن حقيقة الدين لتبرير أغراض وأهواء لمن يملكون المال أو السلطان ، كما كان يفعل أحبار اليهود والنصارى فيما سبق وحتى الان.
والدعوة الى البر والمخالفة عنه في سلوك الداعين اليه ، هي الآفة التي تصيب النفوس بالشك لا في الدعاة وحدهم ولكن في الدعوات ذاتها ، وهي التي تبلبل قلوب الناس وأفكارهم ، لانهم يسمعون قولا جميلا ، ويشهدون فعلا قبيحا ، فتملكهم الحيرة بين القول والفعل ، وتخبو في أرواحهم الشعلة التي توقدها العقيدة ، وينطفىء في قلوبهم النور الذي يشعه الايمان ولا يعودون يثقون في الدين بعد ما فقدوا الدين.
ان الكلمة لتنبعث ميتة ، وتصل هامدة ، مهما تكن طنانة رنانة متحمسة اذا هي لم تنبعث من قلب يؤمن بها ، ولن يؤمن انسان بما يقول حقا الا أن يستحيل هو ترجمة حية لما يقول : وتجسيما واقعيا لما ينطق .. عندئذ يؤمن الناس ، ويثق الناس ، ولو لم يكن في تلك
![تفسير البيان الصافي لكلام الله الوافي [ ج ٢ ] تفسير البيان الصافي لكلام الله الوافي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3757_tafsir-albayan-alsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
