يعنى بالكلام القائم بالنفس ، ولولاه لقد كان يعد المتكلم بهذه العبارات مجنونا ومعتوها.
وليس ذلك أيضا هو ما سموه أحاديث النفس التي هي تقديرات العبارات اللسانية وهو تحدث النفس باللغات المختلفة ، كالعربية والعجمية ونحوها ، فإن هذه الأمور لا يتصور وجودها مع عدم العبارات اللسانية ، كما في حق الأبكم ، وتلك المعاني التي عبرنا عنها بالكلام النفساني ، تكون لديه حاضرة عتيدة ، وذلك كما في الطلب والاقتضاء ونحوه ، وإن كان في نفسه أبكم لا تسوغ له عبارة ما ، حتى لو قررنا وجود العبارات في حقه لقد كانت مطابقة لما في نفسه ، كما كانت مطابقة لما في نفس غير الأبكم. ثم إن هذه العبارات والتقديرات غير حقيقة أي ليست أمورا عقلية ، بل اصطلاحية مختلفة باختلاف الأعصار والأمم ، ولهذا لو وقع التواضع من أهل الاصطلاح على أن يكون التفاهم بنقرات وزمرات لقد كان ذلك جائزا. ومدلولات هذه العبارات والتقديرات حقيقي ، لا يختلف باختلاف الأمصار ، ولا باختلاف الاصطلاحات ، بل المدلول واحد وإن تغيرت تلك الدلالات ، وتلك المدلولات هي التي يعبر عنها بالنطق النفساني والكلام الحقيقي ، وما سواه فليس بحقيقي.
هذا كله إن قلنا إنه من جنس كلام البشر ، وإن نزلنا الكلام على أنه غير مجانس له فقد سبق في تحقيقه ما يغني عن إعادته.
وأما ما أشاروا إليه من معنى الطاعة وتحقيق الرسالة فتمويه لا حاصل له ، وإلا للزم أن يكون كل تسخير بفعل شيء ما أمرا وتركه نهيا ، وأن يكون الانقياد إلى ذلك التسخير طاعة ، كان ذلك في نفسه عبادة أو معصية ، ولا يخفى ما في طي ذلك من المحال ، فإنه ليس كل ما يسخر به مأمورا ، ولا كل ما انقاد العبد إلى فعله يكون طاعة ، على ما لا يخفى وإذا كان الأمر على هذه المثابة لم يصح معنى التبليغ والرسالة عن الله ، اللهم إلا أن يكون له أمر
