ولا جائز أن تكون الإرادة لإحداث الصيغة ، فإنه ليس مدلولها ، ثم إن مدلولات أقسام الكلام مختلفة ، ولا اختلاف في إرادة إحداث الصيغة ، من حيث هو كذلك.
ولا جائز أن تكون الإرادة لجعل الصيغة دالة على الأمر فأنه تصريح بأن الإرادة وراء الأمر الذي هو مدلول قوله : أمرتك ، وأنت مأمور. ثم إن الألفاظ إنما هي دلائل وتراجم عن أشياء ، وكل ذي عقل سليم يقضي بأن قول القائل : أمرتك ونهيتك ليس ترجمة عن إرادة جعلها دالة على شيء مخصص.
وعند هذا فلا بد من العود إلى نفس مدلولها ، فإن كان نفس الإرادة فقد أبطلناه وإن كان غيرها فهو المقصود. كيف وأن الإنسان يجد من نفسه بقاء ما دلت عليه لفظة «أمرتك» من الطلب والاقتضاء ، وإن عدمت اللفظة ، وإرادة جعلها دالة على شيء ما؟ فقد امتنع بهذا تفسيره بالإرادة.
ولا سبيل إلى تفسيره بالقدرة ، إذ القدرة عبارة عن معنى يتأتى به الإيجاد بالنسبة إلى كل ممكن. والأمر والنهي لا يتعلق بكل ممكن ، فإذا القدرة أعم من الأمر والنهي من وجه. والأمر ـ عند القائلين بجواز التكليف بما لا يطاق ـ أعم من القدرة من جهة أخرى ، وهو تعلقه بالممكن وغير الممكن.
ولا سبيل إلى تفسيره بالعلم ؛ إذ العلم أعم من الأمر ، من حيث إنه قد يتعلق بما لم يتعلق به الأمر ، وبما يتعلق به الأمر. وكيف تكون حقيقة الأعم هي حقيقة الأخص؟ كيف وإن كل إنسان منصف يجد من نفسه لما يتلفظ به من العبارات الدالة مدلولات وراء كل ما يقدر من العلوم. فإذا قد لاح الحق ، واستبان ، وظهر أنه لا بدّ من معنى زائد على ما ذكروه ، هو مدلول العبارات والإشارات الحادثة ، وإن كان في نفسه قديما ، وذلك المعنى هو الذي يجده الإنسان من نفسه ، عند الإخبار عن أمور رآها أو سمع بها ، وعند قوله لغيره : افعل أو لا تفعل ، وتواعده له ووعده إياه ، إلى غير ذلك. وهو الذي
