مع ذلك مما لا يلزم أن يكون وجوده عن وجود حركة اليد ، بل من الجائز أن يكون موجودان أحدهما يلازم الآخر ، إما عادة كملازمة التسخين للنار ، والتبريد للماء والأفيون. وإما اشتراطا كملازمة العلم للإرادة ، والحياة للعلم ، وليس ولا أحدهما مستفادا من الآخر بل كلاهما مخلوقان لله ـ تعالى ـ. وبهذا يندفع ما ذكروه من أنه لو كان اللازم مخلوقا لله ـ تعالى ـ لجاز خلق أحدهما مع سكون الآخر ، كيف وأنه كما تتوقف حركة الخاتم على حركة اليد تتوقف حركة اليد على حركة الخاتم ، حتى إنه لو فرض عدم انتقال الخاتم من مكانه كان القول بحركة اليد مستحيلا ، فعلى هذا ليس جعل حركة اليد علة لحركة الخاتم لتوقفها عليها بأولى من العكس ، بل الواجب أنهما معلولان لعلة واحدة ، وإن قدر تلازمهما في الوجود.
وعند هذا ، فلا بد من الإشارة إلى دقيقة وهى : أن ما علمه الله ـ تعالى ـ أنه لا يكون ، منه ما هو ممتنع الكون لنفسه ، وذلك كاجتماع الضدين ، وكون الشيء الواحد في آن واحد في مكانين ونحوه. ومنه ما هو ممتنع الكون لا باعتبار ذاته ، بل باعتبار أمر خارج ، وذلك مثل وجود عالم آخر وراء هذا العالم أو قبله. فما كان من القسم الأول ، فهو لا محالة غير مقدور ، من غير خلاف. وما كان من القسم الثاني ، وهو أن يكون ممتنعا لا باعتبار ذاته بل باعتبار تعلق العلم بأنه لا يوجد ، أو غير ذلك ، فهو لا محالة ممكن باعتبار ذاته ، كما سلف. والممكن ـ من حيث هو ممكن ـ لا ينبو عن تعلق القدرة به. والقدرة ـ من حيث هي قدرة ـ لا يستحيل تعلقها بما هو ـ في ذاته ـ ممكن ، إذا قطع النظر عن غيره ، إذ الممكن من حيث هو ممكن لا ينبو عن تعلق القدرة به والقدرة من حيث هي قدرة لا تتقاصر عن التعلق به لقصور فيها ولا ضعف.
فعلي هذا الممكن صالح أن تتعلق به القدرة ، من حيث هو كذلك ، ولا معنى لكونه مقدورا غير هذا. وإطلاق اسم المقدور عليه بالنظر إلى العرف ،
