فإن قيل : تسمية الواحد منا مطيعا ، وإنما كان بالنسبة إلى ما أراده وقصده مما هو مأمور به وملجأ إليه ، والباري ـ تعالي ـ منزه عن ذلك.
قلنا : فما المانع من أن تكون تسمية الواحد منا ـ أيضا ـ شريرا أو سفيها بالنسبة إلى ما قصده ، من جهة أنه منهي عنه ، وممنوع منه؟ كيف وأن هذا هو الحق ، وأن الصبي والمجنون لو أتيا بمثل ما يأتي به المطيع والشرير ، فإنه لا يقال فما مطيع وإلا شرير؟ ولم يكن ذلك إلا لعدم ورود التكليف نحوه. هذا إن ورد من المعتزلة.
وأما الفلاسفة فلهم تفصيل مذهب في معنى الخير والشر ، وهو ما لا تمس الحاجة إلى ذكره. وإن من حقق ما قررناه ، أمكنه التفصي عن كل ما يتخيلونه هاهنا.
وأما المحال الثالث :
فإنما يلزم أن لو كان المأمور والمنهي مرادا وليس كذلك ، بل المأمور الذي علم وقوعه والمنهي الذي علم الانتهاء عنه هو المراد ، أما ما علم انتفاؤه فليس بمراد الوجود ، وإن كان مأمورا به ، وما علم وجوده فليس بمراد الانتفاء وإن كان منهيا عنه ، وإلا كان فيه إبطال أخص وصف الإرادة ، وهو تأتي التمييز بها ، وهو ممتنع. وأما ما يطلق عليه اسم الإرادة مع عدم حصول التمييز به فليس في الحقيقة إرادة بل شهوة وتمنيا ، فإذا الإرادة أعم من الأمر من جهة أنها توجد ولا أمر ، والأمر أعم منها من جهة أنه قد يكون ولا إرادة ، وليس ولا واحد منهما يلزم الآخر لزوما معاكسا ولا غير معاكس. وعند ذلك فلا يلزم من الأمر بالوجود وإرادة العدم ما تخيلوه من التناقض. وعلى هذا القول في النهي أيضا.
ثم كيف ينكر ذلك مع الاعتراف بتكليف أبي جهل بالإيمان من غير إرادة له؟ وبما ظهر من قصة إبراهيم في تكليفه بذبح ولده؟ كما يأتي تحقيقه فيما بعد ـ إن شاء الله تعالى ـ فإذا ليس ثمرة الأمر امتثال ما أمر به ، بل من
