المكلفين وإن انقسمت إلى خيرات وشرور ، لكن الإرادة إنما تتعلق بها من حيث وجودها وتحققها ، وهي من هذا الوجه ليست بشرور ، بل خيرات محضة ، وإنما تلحقها الشرور باعتبار الصفات التي هي منتسبة إلى فعل العبد وقدرته ، وهي ما قلتم إنها توابع الحدوث ، كما يأتي تحقيقه في مسألة خلق الأفعال. وهي من هذه الجهة ليست مرادة لله ـ تعالى ـ على الأصلين ؛ فإن إرادة فعل العبد ـ من حيث إنه فعله ـ تمن وشهوة ، وذلك في حق الباري محال. فإذا ما هو مراد الله تعالى إنما هو التخصيص والإحداث وذلك هو الخير ، وما هو الشر ومنه الشر فهو ما وقع مسندا إلى فعل العبد من حيث هو فعله ، وذلك غير مراد الله تعالى.
وسنبين إبطال هذا المقال في مسألة خلق الأعمال ، وأن ما من حادث إلا وهو مضاف إلى الباري تعالى بأنه محدثه ومريد له ، وأنه لا خالق إلا الله تعالى ولا مبدع إلا هو ، وأنه لا يجري في ملكه إلا ما هو مراد له ، ومن حيث هو مراد له ليس بشر ، فإن تعلق الإرادة به إنما هو من جهة تخصصه بالوجود دون العدم أو العدم دون الوجود ، وبالجملة من جهة تخصصه ببعض الأحوال دون البعض ، وذلك مما لا يوصف بكونه شرا من حيث هو كذلك. نعم إن وصف بعض الحادثات بكونه شرا ، فذلك ليس هو لعينه ، ولا أن الشر وصف ذاتي له ، ولا هو في نفسه معنى وجودي ، بل معنى نسبي. وأمر إضافي. كما يأتي تحقيقه في مسألة التحسين والتقبيح. وذلك مما لا يمنع من إضافته إلى الإرادة القديمة وإلا لما أضيف إليها ما في عالم الكون والفساد ، من التحريق والتغريق ، والضعف ، والزلازل ، والهدم ، ونحو ذلك من الآفات الفادحة والأمراض المؤلمة وغير ذلك مما لا يقولون به.
ثم إن مستندهم فيما ذكروه ليس إلا الشاهد ، لو صح أن يقال : الغائب باعتبار إرادته للشر شرير ـ كما في الشاهد ـ صلح أن يقال إذا أراد الطاعة مطيع.
