قال بعض الأصحاب : ويجب أن يكون ذلك بمحضر من الشهود وبينة عادلة ؛ كفا للخصام ، ووقوع الخلاف بين الأنام ، وادعاء مدع عقد الإمامة له سرا ، متقدما على عقد من كان له جهرا عيانا ، وهو لا محالة واقع في محل الاجتهاد.
فعلى هذا لو اتفق عقد الإمامة لأكثر من واحد ، في بلدان متعددة ، أو في بلد واحد ، من غير أن يشعر كل فريق من العاقدين بعقد الفريق الآخر ، فالواجب أن نتصفح العقود ، فما كان منها متقدما ، وجب إقراره ، وأمر الباقون بالنزول عن الأمر ، فإن أجابوا ، وإلا قوتلوا ، وقتلوا ، وكانوا خوارج بغاة. وإن لم يعلم السابق وجب إبطال الجميع ، واستؤنف عقد لمن يقع عليه الاختيار ، كما إذا زوج أحد الوليين موليته من شخص ، وجهل العقد السابق منهما.
ولا خلاف في أنه لا يجوز عقد الإمامة لشخصين ، في صقع واحد ، متضايق الأقطار ، ومتقارب الأمصار ؛ لما فيه من الضراء ، ووقوع الفتن والشحناء ، وأما إن تباعدت الأقطار وتناءت الديار ، بحيث لا يستقل إمام واحد بتدبيرها والنظر في أحوالها فقد قال بعض الأصحاب : إن إقامة إمام آخر في محل الاجتهاد.
وليس الاختيار لعقد الإمامة جائزا على التشهي والإيثار ، بل لا بدّ وأن يكون للمعقود له صفات وخصوصيات ، وهي أن يكون من العلم بمنزلة قاض من قضاة المسلمين وأن يكون له من قوة البأس وشدة المراس ما لا يهوله إقامة الحدود ، وضرب الرقاب ، وإنصاف المظلوم من الظالم ، وأن يكون بصيرا بأمور الحرب ، وترتيب الجيوش ، وحفظ الثغور ، ذكرا حرا مسلما ، عدلا ثقة فيما يقول ؛ لاتفاق الأمة على ذلك ومحافظة على
