حصول العلم بما دلت عليه ـ من جهة العادة ـ قطعا ، وذلك على نحو علمنا بكرم حاتم وشجاعة عنترة كما بينا فيما سلف ، ثم كذلك العصر الثاني والثالث ، وهلم جرا إلى زماننا هذا ، لم يزل الناس ينسجون على منوال أهل الصدر الأول ، ويتبعون آثارهم ، ويقتفون أخبارهم ، على الخط القويم ، والمنهج المستقيم.
ولذلك من نظر بعين الاعتبار ، وحلى نحره بالأخبار ، وسلك طريق الرشاد ، وجانب الهوى والعناد ، لم يجد من نفسه الاختلاج بمخالفة شيء من ذلك أصلا.
ثم ، والذي يؤكد ذلك النظر إلى مستند الإجماع ، فإنا نعلم أن مقصود الشارع من أوامره ونواهيه ، في جميع موارده ومصادره ، من شرح الحدود والمقاصات ، وشرع ما شرع من المعاملات والمناكحات ، وأحكام الجهاد ، وإظهار شعائر الإسلام في أيام الجمع والأعياد ، إنما هو الإصلاح الخلق معاشا ومعادا ، وذلك كله لا يتم إلا بإمام مطاع من قبل الشرع ، بحيث يفوضون أزمتهم في جميع أمورهم إليه ، ويعتمدون في سائر أحوالهم عليه ، فأنفسهم ـ مع ما هم عليه من اختلاف الأهواء ، وتشتت الآراء ، وما بينهم من العداوة والشحناء ـ قلما تنقاد بعضهم لبعض ، ولربما أدى ذلك إلى هلاكهم جميعا.
والذي يشهد لذلك وقوع الفتن واختباط الأمم ، عند موت ولاة الأمر من الأئمة والسلاطين ، إلى حين نصب مطاع آخر ، وأن ذلك لو دام لزادت الهوشات ، وبطلت المعيشات ، وعظم الفساد في العباد ، وصار كل مشغولا بحفظ نفسه تحت قائم سيفه ، وذلك مما يفضي إلى رفع الدين ، وهلاك الناس أجمعين. ومنه قيل : الدين أس والسلطان حارس ، الدين والسلطان توأمان.
فإذا نصب الإمام من أهم مصالح المسلمين ، وأعظم عمد الدين ، فيكون واجبا ، حيث عرف ، بالسمع ، أن ذلك مقصود للشرع ، وليس مما يمكن
