وإذا عرفت ما حققناه من المعجزة ووجود شرائطها ، فما سواها من الأفعال إن لم يكن خارقا للعادة فلا إشكال ، وإن كان خارقا للعادة فإما أن يكون ذلك على يدي نبي أو غير نبي : فإن كان نبيا فلا إشكال أيضا ، وإن كان غير نبي بأن يكون وليا أو ساحرا أو كاهنا أو غير ذلك فقد اختلفت أجوبة المتكلمين هاهنا :
فذهبت المعتزلة وبعض الأصحاب إلى منع جواز ذلك على يدي من ليس بنبي ، وقالوا : لو جاز ظهور مثل ذلك على يدي من ليس بنبي أفضى ذلك إلى تكذيب النبي وافترائه ، وألا نعرف النبي من غيره ، ولجوزنا في وقتنا هذا وقوع ما جرى على أيدي الأنبياء من قبلنا ، وذلك يوجب لنا التشكك الآن في كون البحر منفلقا ، وانقلاب الموتى أحياء ، وذلك مما لا يستريب في إبطاله عاقل.
وأما أهل التحقيق فلم يمنعوا من جواز إجراء مثل ذلك على يدي من ليس بنبي ، لكن منهم من قال : إن ذلك لا يقع إلا من غير إيثار واختيار ، بخلاف المعجزة ، وذلك كله مما لا نرتضيه فإنه ما من أمر يقدر من الأفعال الخارقة وغير الخارقة إلا وهو مقدور لله تعالى أن يظهره على يدي من شاء من عباده على حسب إيثاره واختياره ، وإنكار ذلك يجر إلى التعجيز ، وإبطال كون الفعل مقدورا لله تعالى وهو مستحيل.
ثم كيف ينكر ، وقوع مثل ذلك مع اشتهار ما جرى من قصة أصحاب الكهف ، وأمي موسى وعيسى ، وما تم لهما من الآيات الغريبة والأمور العجيبة التي لم تجر العادة بمثلها ، ولم يكونوا أنبياء إجماعا ، بل وما جرى للسحرة في أيام جرجيس وموسى عليهماالسلام؟ وليس ذلك مما يفضي إلى تكذيب النبي ؛ إذ ليبس شرط المعجزة ألا يؤتى بمثلها ، وإلا لما جاز أن يأتي النبي بما أتى به الأول ، وهو خلاف المذهبين ، بل شرطها أن تقع موقع التصديق له فيما يدعيه ، كما سلف.
