وإن لم تدخل تحت قدرته فالعجز عما لا يدخل تحت القدرة أيضا ممتنع ، فإن قيل : إنه معجوز عنه ، فليس إلا بطريق التوسع لا غير.
وأما حقيقة المعجزة فهي كل ما قصد به إظهار صدق المتحدي بالنبوة المدعي للرسالة فعلى هذا لا يجوز أن تكذب الرسول ، كما إذا قال أنا رسول وآية صدقي أن ينطق الله يدي ، فلو نطقت يده قائلة إنه كاذب فيما يدعيه لم يكن ذلك آية على صدقه ، لكن شرط ذلك أن المكذب مما يقع في جنسه خرق العادة ، كما ذكرناه من المثال ، وأما إن كان غير خارق للعادة فلا ، وذلك كما إذا قال : آية صدقي إحياء هذا الميت فأحياه الله وهو ينطق بتكذيبه ، فإنه لا يكون ذلك تكذيبا بل الواجب تصديقه ؛ من جهة أن الإحياء خارق ، وكلام مثل ذلك إذا كان حيا غير خارق بخلاف اليد ، وبه يتبين ضعف من لم يفرق بين الصورتين من الأصحاب.
ولا يجوز أن تكون صفة قديمة ، ولا مخلوقة للرسول ، ولا عامة الوقوع بحيث يستوي فيها البر والفاجر ، ولا أن تكون متقدمة على دعواه بأني رسول وآيتي ما ظهر على يدي سابقا ، ولا متأخرا عنها ، إلا أن تكون واقعة على ما يخبر به عنها ؛ بأن يقول : آية صدقي ظهور الشيء الفلاني في وقت كذا على صفة كذا ؛ فإن المعجزة إنما تدل على الصدق من حيث إنها تنزل منزلة الخطاب بالتصديق ، وذلك لا يتم عند تحقق هذه الأمور كما لا يخفي.
بل لا بدّ وأن تكون خارقة للعادة ، مقترنة بالتحدي ، غير مكذبة له ، ولا متقدمة عليه ، ولا متأخرة عنه إلا كما حققناه ، ولا يشكك في منع تقديم المعجزة على التحدي أن يقول : آية صدقي أن في هذا الصندوق المغلق كذا على كذا مع سبق علمنا بخلوه عما أخبر به ، فإنه إذا ظهر ، وإن جاز أن يكون مخلوقا لله قبل التحدي فليس الإعجاز في وجوده ، وإنما هو في إخباره بالغيب.
