وإرادته ، وذلك كما إذا قال : أنا رسول وآية صدقي نزول المطر في هذه الحالة ، وليس ثم غيم ولا تصاعد أبخرة ، ولا علامة دالة على نزول المطر ، فإنه إذا نزل المطر كان ذلك آية صدقه ؛ من حيث وقوعه على وفق مقالته ، وعدم دخوله تحت قدرته وإن كان نزول المطر في نفسه ليس بخارق ولا نادر ، وكذلك الكلام في حق كل من ظهر هذا الخارق على يديه مقترنا بالتحدي ، فإنه يجب القول بتصديقه في قوله ، والإجابة لدعوته ، نعم إن تصور منه التحدي ، والإخبار بأن آية صدقه أن ما ظهر على يده لا يظهر على يد غيره ، فإن معجزته لا تتم إلا بعدم ظهور ذلك إلا على يده ؛ إذ الإعجاز ليس إلا فيه ، فإن ظهر على يد غيره فإن ذلك لا يكون آية على صدقه ، بل يتبين به كذبه في مقالته.
وأما الإشارة إلى عدم تمييز المعجزة عن الكرامات ، والسحر ، والطلسمات ، وغير ذلك من الأمور العجيبات ، فالجواب الإجمالي فيه : هو أن ادعاء أن كل مقدور لله تعالى مما يمكن تأتيه بهذه الأمور مما يعلم بطلانه بالضرورة ؛ فإن أحدا من العقلاء لا يجوز انتهاء السحر والطلسم وغيره من الصنائع إلى فلق البحر وإحياء الميت وإبراء الأكمه والأبرص.
وإن قيل بالتفاوت فقد جوز من جهة العقل تصور تصديق للرسول بما لا يتأتى من السحر ولا بغيره ، وهو ما وقع مقصودنا هاهنا ، وليس تشوفنا إلا للفرق من جهة التفصيل ، فيستدعي ذلك تحقيق المعجزة ، وبيان خواصها التي لا يشاركها فيها غيرها ، فنقول : المعجزة في الوضع مأخوذ من العجز ، وهو في الحقيقة لا يطلق على غير الباري تعالى ؛ لكونه خالق العجز ، وإن سمينا غيره معجزا ، كما في فلق البحر وإحياء الموتى ، فذلك إنما هو بطريق التجوز والتوسع ، من كونه سبب ظهور الإعجاز ، وهو الإنباء عن امتناع المعارضة ، لا الإنباء عن العجز عن الإتيان بمثل تلك المعجزة كما يتوهمه بعض الناس ، فإن ذلك مما لا يتصور العجز عنه حقيقة ؛ فإن دخلت تحت قدرته فلا عجز ،
