يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ) [الحج : ٧٥].
وقد يكون التعريف للصدق ، بإظهار المعجزات على يد مدعي النبوات على وجه تدين له العقول السليمة بالإذعان والقبول ، وذلك أنه إذا قال : أنا رسول وآية صدق في قولي إتياني بما لا تستطيعون الإتيان بمثله ، ولو كان بعضكم لبعض ظهيرا ، من إحياء الموتى ، وإبراء الأكمه والأبرص ، وشق البحر وقلب العصا حية ، وغير ذلك من الآيات ، فإذا ما ظهر ذلك على يده مقارنا لدعوته قطع كل عقل سليم ، ولب مستقيم ، بتصديقه في قوله وتحقيقه ، وأذعن إلى اتباعه وتقليده ؛ إذ العقل الصريح يقضي بأن ظهور الخارق للعادة مقارنا لدعوته ، وعجز الناس عن معارضته ، مع توفر دواعيهم على مقابلته ، وإفحامه في رسالته ، ينهض دليلا قاطعا على صدق مقالته ، وإظهار الباري تعالى ذلك على يده مقارنا لدعوته ينزل منزلة الخطاب : إنه رسول ، وإنه صادق فيما يقوله ؛ إذ لو كان ذلك اتفاقا لما وقع على وفق إخباره ، وعلى حسب إيثاره واختياره ؛ إذ هو ممتنع بالنظر إلى الاستحالة العادية ، ولا سيما إن وقع ذلك منه متكررا.
وليس ذلك في ضرب المثال إلا كما لو كان بعض الملوك جالسا في رتبته ، قاعدا على سرير مملكته ، والناس مجتمعون لخدمته قياما في طاعته ، فقام واحد من عرض الناس وقال : يا أيها الناس إني رسول هذا الملك إليكم بكذا وكذا ، وآية صدقي على ذلك أني إذا طلبت منه أن يقوم ثلاث مرات أو يحرك كفه أو يده مثلا فعل ، ولو أراد واحد منكم لم يجد إليه سبيلا ، فإنه إذا أتى له بذلك لم يتمار أحد من الحضور ، ولا يداخله شك أو فتور أنه صادق فيما ادعاه ، حقيق فيما أتاه ، والذي يؤكد ذلك إسناد تصديقه ، إلى متوقف على مشيئة الباري تعالى وإرادته دون مشيئة هو وإرادته سرعة اقترانها بدعوته ، وإلا فلو كانت المعجزة مستندة إلى حوله وقوته لم ينتهض من ذلك دليل على كونه رسول رب العالمين ، فإنه لم ينزل اقتران المعجزة بدعواه منزلة
