كما لا يوصف بالوجود وكذلك قد يكون الافتراق بالسلوب كما يكون بالأحوال ، وذلك بأن يكون ما ثبت لأحد الشيئين مسلوبا عن الآخر فيكون التمييز بينهما بثبوت الحال في أحدهما ونفيها عن الآخر ، وذلك كما في التمييز بين الموجود في حال وجوده وبينه في حال عدمه فليس العدم عنده حالا ثابتة للمعدوم حتى يقاس عليها الثبوت أيضا.
ولقد سلك بعض المتأخرين في ذلك طريقا آخر ، فقال : نفرض الكلام في السواد والبياض مثلا ، فإنه عند الخصم ذات ثابتة وحقيقة معينة ، فنقول : ذات السواد في حال العدم لا تخلو إما أن تكون لذاتها متحدة أو متكثرة ، فإن كانت متحدة لم تقبل التكثر ، فإن ما كان مستحقا للوحدة باعتبار ذاته استحال عليه التكثر في نفسه ، وإن كانت متكثرة فهو أيضا باطل من ثلاثة أوجه.
الوجه الأول : هو أن التكثر إما باعتبار صفات ذاتية أو باعتبار صفات عرضية ، لا جائز أن يكون التكثر باعتبار صفات ذاتية ، إذ الكلام واقع في نوع السواد من حيث هو سواد ، ولا اختلاف فيه من حيث هو سواد ، وإن كان الاختلاف باعتبار أمور عرضية ، والأمور العرضية يخصصها قيامها بكل واحد من آحاد النوع ، وهو فرع تحقق ذلك الواحد بما خصصته من الأمور الذاتية ، وذلك يفضي إلى أن تكون العرضيات سبب تكثر ما لا يتصور قيامها به إلا بعد تكثر وهو دور.
الوجه الثاني : هو أن المميزات المعلومة بأسرها ممتنعة في حال العدم وهي الزمان والمكان والجهة وغير ذلك ، فالتكثر يكون غير معقول.
الوجه الثالث : هو أنها لو كانت متكثرة لم تخل وإما أن تكون متناهية أول غير متناهية فإن كانت متناهية فليس القول بثبوت بعض الجائزات بأولى من البعض ، إذ الجائزات غير متناهية. وإن كانت غير متناهية فإذا أخذت مع ما خرج منها إلى الأعيان أمكن فيها فرض الزيادة والنقصان بأمر متناه ، ووقوع ذلك بين ما ليسا متناهيين محال.
