والعدم ، فهو لا محالة يستدعي ما يصح أن يضاف إليه الوجود والعدم اللذين سلب المحال عن فرضهما ، وذلك الذي يصح اتصافه بالوجود والعدم هو الذي يجب أن ـ يكون سابقا وهو المعني بالمادة ، وعلى هذا القول فالإمكان السابق على النفوس الإنسانية والجواهر الصورية إنما هو عائد إلى المواد فيقال : إنها ممكن أن تدبرها النفس الناطقة وممكن أن تحل بها الصورة ، أما أن يكون عائدا إلى نفس الصورة والنفس فلا.
قلنا : ولو استدعى سلب المحال عن فرض الوجود والعدم مادة يضاف إليها الوجود والعدم لاستدعى الامتناع ، وهو لزوم الحال من فرض الوجود ، مادة يضاف إليها الوجود ، ولو كان كذلك للزم من فرض القول بامتناع إلهين ووجود مبدأين تحقق المادة وهو محال. ومن رام تفسير امتناع وجود الشريك أو مبدأ آخر بوجوب انفراد واجب الوجود عن النظير ؛ إذ هو لازم امتناع وجود النظير حتى ترجع الإضافة إلى ذات الباري تعالى فهو مع تعسفه وإهمال النظر فيما يستحقه الشريك الممتنع لذاته قد لا يسلم عن المعارضة بنفس الإمكان السابق على الوجود بعد العدم بما يوجب رده إلى ذات واجب الوجود أيضا ، وهو أن يقال : المعني بكون الحادث ممكنا قبل وجوده جواز وجود الباري ـ تعالى ـ مع وجوده ؛ إذ هو لازم قولنا : ليس بواجب الانفراد ولا ممتنع ، ولا محيص عنه. وأما رد الإمكان في النفوس والصور إلى المواد وكونها ممكنة أن تحل فيها الصور أو تدبرها النفوس فلا يستقيم ؛ فإن الصور والنفوس ـ باعتبار ذواتها ـ لا تخرج عن أن تستحق الوجوب أو الامتناع أو الإمكان ، وقد بان أن الإيجاب والامتناع عليهما ممتنعان فتعين الإمكان ، والإمكان الثابت للشيء باعتبار ذاته لا يتصور أن يعود إلى غيره. ثم وإن صح ذلك فقد لا يبعد أيضا أن يفسر غيره الإمكان في الحادث بجواز إيجاد الموجد له ، وعند ذلك فتكون إضافة الإمكان إلى الموجد لا إلى الموجد ، وبه يندفع ما ذكروه.
فإذا قد ثبت أن الكائنات موجودة بعد ما لم تكن ، ومسبوقة بالعدم ،
