ولقد سلك بعض المتأخرين وهو «محمد الشهرستاني» في ذلك طريقة ظن أنه ممن حاز بها قصب سبق المتقدمين ، فقال في معرض الحكاية عن القوم في أقسام التقدم والتأخر معا : إن التقدم قد يطلق ويراد به التقدم بالزمان ، كتقدم آدم على إبراهيم ، وقد يطلق ويراد به التقدم بالشرف كتقدم العالم على الجاهل ، وقد يطلق ويراد به التقدم بالرتبة كتقدم الإمام على الصف في جهة المحراب إن جعل مبدأ ، وقد يطلق ويراد به التقدم بالطبع كتقدم الواحد على الاثنين ، وقد يطلق ويراد به التقدم بالعلية كتقدم الشمس على ضوئها ، وتقدم حركة اليد على حركة الخاتم ونحوه.
ثم زعم أن هذه الأقسام مما لا دليل على حصرها ، ولا ضبط لعددها ، حتى إنه زاد قسما سادسا وهو التقدم بالوجود ، من غير التفات إلى الزمان أو المكان أو الشرف أو الطبع أو العلية ، فقال : لا يبعد تصور شيئين وجود أحدهما لذاته ، ووجود الآخر من غيره ، ثم ننظر بعد ذلك هل استفاد وجوده منه طبعا أو ذاتا أو غير ذلك ، وعلى هذا النحو أقسام التأخر ومعا ، ثم قال : إن المعية من كل رتبة لا تجامع التقدم والتأخر من تلك الرتبة بحيث تكون نسبة أحد الشيئين إلى الآخر بالمعية والتقدم أو التأخر بالذات ، وإن جاز أن تكون المعية من رتبتها مجامعة للتقدم والتأخر من رتبة أخرى كالمعية بالشرف
__________________
ـ التقدم والتأخر في تلك المرتبة ، ويجامع في مرتبة أخرى مثاله تقدم السبب على المسبب ذاتا ووجودا أو مقارنته معا وزمانا أو مكانا ، ولكن لا يجوز أن تطلق معية ما على الباري تعالى والعالم فإذا ثبت هذا قلنا أما التقدم والتأخر الزماني فيجب نفيهما عن الباري تعالى وكما لا يجوز أن يتقدم على العالم زمانا لم يجز أن يكون مع العالم زمانا فانّا كما نفينا التقدم الزماني نفينا المعية الزمانية ومثار الشبهة ومجال الخيال هاهنا فإن فازت سفينة النظر عن هذه الغمرة فاز أهل الحق بقصب السبق في المسألة ، فإن ما لا يقبل الزمان ولم يكن وجوده زمانيا لم يجز عليه التقدم والتأخر والمعية الزمانية كما أن ما لا يقبل المكان ولم يكن وجوده وجودا مكانيا لم يجز عليه التقدم والتأخر والمعية المكانية راجع نهاية الأقدام للشهرستاني (ص ١٢) بتحقيقنا.
