توجبون تخصيصه بالبصر فقط؟ فإن قلتم بالتعميم فيلزمكم على سياقه أن يكون الباري مسموعا ومشموما ومذاقا وملموسا ، وذلك مما يتحاشى عن القول به أرباب العقول ، وإن قلتم بالتخصيص فلا بد من وجه الافتراق بينه وبين باقي الإدراكات وإلا فهو تحكم غير معقول ،.
الخيال الثاني :
أنهم قالوا : لو جاز أن يكون مرئيا على النحو الذي حققتموه لجاز أن يكون مرئيا في دار الدنيا في وقتنا هذا ، إذ الموانع من القرب المفرط والبعد المفرط والحجب منفية ، فحيث لم ينفع انتفاء الموانع لم يكن ذلك إلا لكونه غير مرئي في نفسه.
قلنا : أما الخيال الأول : فقد قال بعض الأصحاب : إنه لم يجز تعلق باقي الإدراكات به من جهة أن شرط حصول الإدراك بها اتصال الأجسام ومحاذاة الأجرام ، ولا كذلك البصر ، وهو مما لا يكاد يفيد ، إذ الشغب فيه غير منقطع واللجاج غير منحسم ، ولعل الخصم قد يقابل بمثل ذلك في البصر ، ودفعه عسير غير يسير.
فالحق في ذلك أن يقال : إن كل الإدراكات من جهة كونها كمالات يحصل بها مزيد كشف للمدرك بالنسبة إلى ما تعلق به من العلم النفساني ، وأنها مخلوقة لله تعالى في محال الإدراك ، من غير تأثير في المدرك والمدرك ، والاتصال والانفصال ـ فغير مختلفة وإنما الاختلاف فيها من جهات أخر ، وذلك أن ما يخلقه الله من زيادة الكشف إن كان من ذات الشيء ووجوده بالنسبة إلى ما يحصل من تعلق علم النفس به شرحا سمي ذلك نظرا ، وإن تعلق العلم بكونه كلاما ، كان ذلك من الكلام النفساني أو اللساني ، مما يحصل بخلق الله تعالى من زيادة الكشف بكونه كلاما لا من جهة كونه موجودا ، سمي ذلك سماعا ، وبهذا المعنى سمي موسى سامعا لكلام الله تعالى ، وما يحصل بخلق الله تعالى من زيادة الكشف بطعم شيء على ما حصل من العلم به ، لا من
