فقال لهم : لا تهابوا الموت في الله ، فإنّه لاقيكم ، ولا ترجعوا إلى الدنيا التي خرجتم منها إلى الله ، فإنّها لا تبقى لكم ، ولا تزهدوا في ما رغبتم فيه من ثواب الله ، فإنّ ما عند الله خير لكم .. ثمّ مضوا فقاتلوا حتّى قُتلوا.
فلمّا أمسوا رجع أهل الشام إلى معسكرهم ، ونظر رفاعة إلى كلّ رجل قد عقر به فرسه أو جرح فدفعه إلى قومه ، ثمّ سار بالناس ليلته كلّها ، وجـعل لا يمـرّ بجسـر إلاّ قطعه خوفاً أن يلحقهم الطلب ، وجعل وراءهـم أبا الجويريّة العبدي في سبعين فارساً ، فإذا مرّوا برجل قد سقط حمله أعانوه ، أو وجدوا متاعاً قد سقط قبضـوه حتّى يوصلوه إلى صاحبه.
وأصبح الحصين وأصحابه فلم يجدوهم ، فتركهم الحصين ولم يبعث أحداً في أثرهم ، فلمّا ساروا وأصبحوا إذا عبـد الله بن غزيّة في نحو من عشرين رجلاً قد أرادوا الرجوع إلى العدوّ مستقتلين ، فجاء رفاعة وأصحابه وناشدوهم الله أن لا يفعلوا ، فلم يزالوا يناشدوهم حتّى ردّوهم إلاّ رجل من مزينة يسمّى عبيدة بن سفيان ، فإنّه انسلّ من بين الناس ورجع بدون أن يعلم به أحد حتّى لقي أهل الشام فشدّ عليهم بسيفه يضاربهم حتّى عقر فرسه ، فجعل يقاتل راجلاً وهو يقول :
|
إنّي مِنَ اللهِ إلى اللهِ أفِـرّ |
|
رِضْوانَكَ اللّهُمَّ أُبْدي وأُسِـرّ |
فقيل له : من أنت؟
قال : من بني آدم ، لا أُحبّ أن أعرفكم ولا أن تعرفوني ، يا مخرّبي البيت الحرام ، فبرز إليه سليمان بن عمرو الأزدي ، وكان من أشجع الناس ، وحمل كلّ منهما على صاحبه ، وكلاهما أثخن صاحبه وأصابه ، وشـدّ الناس عليه من كلّ جانب فقتلوه.
قال الراوي : فوالله ما رأيت أحداً قطّ هو أشـدّ منه.
![تراثنا ـ العددان [ ٦٦ و ٦٧ ] [ ج ٦٦ ] تراثنا ـ العددان [ 66 و 67 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3298_turathona-66-67%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)