وَقَوْمُ لُوطٍ* وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى) ولم يتراجع كل أولئك الأنبياء ، بل تابعوا الدعوة وأكملوا المسيرة حتى تمكّنوا من تأكيد رسالتهم وفرضها. (فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ) وتركت لهم مجال الامتداد في كفرهم ليستكملوا كل التجربة ، وليأخذوا وقتهم بحيث تقوم الحجة عليهم ، ولا يكون للناس على الله حجة على هذا المستوى ، لجهة الفرصة التي يملكونها ، أو المدة التي يأخذونها ، ولكن الله يمهل ولا يهمل ، (ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ) بالعذاب بكل قوّة ، (فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ) في ما يمثّله من الإنكار البالغ في شكله وطبيعته ، ومن الأخذ الشديد.
(فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها) فتطلّع إلى ما حولك من بقايا البلاد التي كان يسكنها هؤلاء ، فكم من قرية من قراهم أهلكنا أهلها وأخذناهم بالعذاب ، (وَهِيَ ظالِمَةٌ) كونها واجهت الرسالة مواجهة شديدة ورفضت كل مفاهيمها وشرائعها ، فظلمت نفسها ، كما ظلمت الحياة من حولها ، فاستحقّت بذلك العقاب الشديد ، والهلاك المحتوم ، (فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها) سقطت جدرانها على سقوفها ، (وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ) أي وكم من بئر معطلة باد أهلها وماتوا ، فليس هناك من يستقي منها ، أو ينزل عليها ، (وَقَصْرٍ مَشِيدٍ) أي وكم من قصر مشيد لا ترى فيه أية حركة ، فقد هلك كل سكانه ، فلا تبصر لهم شبحا ، ولا تسمع لهم حسيسا .. ولعل تنويع الحديث عن البئر والقصر ، يعود إلى أن أصحاب الآبار هم البدو ، وأن أصحاب القصور هم الحضر.
* * *
المعرفة وليدة الفكر والحسّ الواعي
(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها) لأن العقل يتغذى من
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3281_tafsir-men-wahi-alquran-16%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
