رسالة تبحث عن مفتاح سحريّ تفتح فيه العيون والعقول والآذان على الحق في حركتها وفي مفاهيمها وشريعتها وغاياتها ، وتريد الوصول إلى هذا الهدف من قبل المؤمنين بها والرافضين لها ، حيث يقوم المؤمنون بالإعلان عنها ، والدعاية لها ، بترويج قناعاتهم الإيمانية بأنها تمثل الحق الذي لا ريب فيه ، أمّا الكافرون ، فيثيرون الانتباه إليها ، عبر ما يوجهونه إليها وإلى الرسول من اتهامات ، أو عبر اضطهادهم للمؤمنين بها ، مما يثير التساؤل في نفوس من لم يسمعوا بها ، أو ينتبهوا إليها ، ويحثّهم على الانفتاح على ما تطرحه من موقع التفكير والتأمّل والحوار ، الأمر الذي قد يوصلهم إلى الإيمان من أقرب طريق ..
وهكذا كانت الدعوة الهادئة هي السبيل لانتشار الإسلام في الجزيرة العربية ، كرسالة جديدة تثير الجدل ، وكحدث بارز يبعث على الاهتمام ، لا سيما وأنّ الصراع يستهدف قريشا التي تقف في موقع الزعامة الدينية والثقافية والتجارية لموقع مكة في حياة العرب ، مما يجعل لبروز الرسالة فيها أهمية تفوق الأحداث العادية في مكان آخر ، مع أناس آخرين .. وهكذا دخلت مفردات الرسالة العامة في حياة الناس من خلال أسلوب الصراع السلمي الذي قاده رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم في تلك المرحلة ..
وقد يكون موقف المظلوم والمضطهد في بعض الحالات ، سببا في إثارة العطف وتهيئة جو التعاطف النفسي معه ، أكثر من موقف المقاتل والمعتدي والمتحدي ، وقد يكون تفجير الصراع عبر القتال سببا في توجيه نظر الناس إلى المعركة ، وصرفهم عن عمق المعاني التي تكمن خلفها وتنطلق معها ، مما يمنع وصولهم إلى حقيقة القضية التي يدور فيها الخلاف وينطلق منها النزاع .. لهذا كان لا بد من مرحلة تأخذ الدعوة فيها حريتها في الحركة والانفتاح ، وفي التخطيط الواعي للوصول إلى قناعات الناس وأفكارهم.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3281_tafsir-men-wahi-alquran-16%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
