وضوح أفكاره وتشريعاته ومناهجه ووسائله وأهدافه ، وهو وضوح قد يحجبه غبار التخلف والجهل والعصبيّة المتصاعد ، إلا أنه لا يلبث أن ينجلي ويفرض نفسه في نهاية المطاف.
وهكذا كان رسول الله ليّنا في كلامه ، رقيقا في أسلوبه ، رحيما في قلبه ، منفتحا في عقله ، لطيفا في ابتسامته ، في الوقت نفسه الذي كان فيه ثابتا في موقفه ، صلبا في رسالته ، حاسما في قراره ، مصرّا على دعوته ، يتقبل التحديات بصبر ووداعة وانفتاح وإيمان ، ويتحمل الشتائم والإهانات ، والكلمات القاسية الموجّهة إليه من قبل المشركين ، ويتابع دعوته بالحكمة والموعظة الحسنة ، ويجادلهم بالتي هي أحسن ، ويقودهم إلى الأخذ بالأساليب الهادئة ، وبالتفكير الموضوعي العقلاني في سبيل الوصول إلى الحقائق.
وكان المسلمون يتعرضون للعذاب وللاضطهاد والتعسف ، فيصبرون تارة ، ويتشنجون أخرى ، ويعبّرون عن انفعالهم أمام رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم بالكلمات الثائرة والأساليب القويّة ، التي تستعجل فتح المعركة مع المشركين ، ما داموا قد بدأوها بوسائلهم التعسفية الضاغطة المثيرة ، ويعلنون له بأنهم قادرون على تحقيق النصر إذا ما اجتمعت كلمتهم على موقف واحد متحد ، أو على إظهار القوّة في ساحة المواجهة ، على الأقل ، مما قد يدفع هؤلاء الذين يتعسفون في حقهم ويعملون على اضطهادهم وخنق حريتهم ، إلى أن يحسبوا ألف حساب قبل قيامهم بذلك ، لأنهم سيكيلون لهم الكيل كيلين ، والصاع صاعين. وليس مهما أن يموتوا كلّهم أو بعض منهم نتيجة المواجهة ، فإن ذلك أهون من الذل الذي يعيشونه بين قومهم ، وهم يملكون أن يكونوا في موقف العزّ ، إذا ما فعلوا ذلك.
ولكن النبي كان يقول لهم : إني لم أؤمر بقتال ، لأن المسألة مسألة
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3281_tafsir-men-wahi-alquran-16%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
