وهكذا رأينا أن الآية التي تحدث عنها هذا البعض ، كانت تتحدث عن الذين استضعفوا من بني إسرائيل في مقابل فرعون وهامان ، كما أشارت إليه في ما بعد : (وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ) [القصص : ٦] وذلك على أساس أنّ واجهة المجتمع الإسرائيلي هي الدعوة إلى الإيمان بقيادة النبي موسى عليهالسلام مع الذين اتّبعوه ، في الوقت الذي بقيت فيه جماعات كثيرة من بني إسرائيل تعيش عقلية العبودية على أساس قيم المجتمع الفرعوني ، ولكنّ ذلك لا يمنع أن السلطة قد تغيرت من سلطة يحكمها الكفر إلى سلطة يحكمها الإيمان والعمل الصالح.
وقد يكون الاحتمال الذي ذكره هذا البعض ، في أن المراد ب (الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) بنو إسرائيل ، قريبا إلى الذهن ، باعتبار أن المرحلة التاريخية التي استطاعت فيها حركة الأنبياء إسقاط الطغاة ، والحصول على القوّة وتكوين المجتمع المؤمن المنفصل عن ضغط الطغاة ، هي مرحلة النبي موسى عليهالسلام بعد مواجهته للطاغية فرعون .. ولم نجد في القرآن أيّ تلميح لمرحلة يتحرك فيها المؤمنون من موقع التمكين لهم في الأرض إلا هذه المرحلة ، مما يبعث على اعتبار هذا التطبيق مقبولا قرآنيا.
(وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ) وذلك بانتشاره بين الناس ، بحيث يتحوّل إلى مركز قوّة في الساحة الفكرية والعملية ، لكثرة المنتسبين إليه ، والداعين إلى اعتناقه ، والمتحركين من خلال مفاهيمه ، والدارسين له ، والحاكمين باسمه ، مما يجعل من حركته في حياة الناس حركة قويّة متجذّرة في عمق الواقع الإنساني على أكثر من صعيد.
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3281_tafsir-men-wahi-alquran-16%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
