(وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) لأن الإيمان يمثل العقيدة القويّة الثابتة في فكر الإنسان وقلبه ، المتجذرة في عمق حياته ، المتحركة في خط أهدافه ، فإذا اهتزت به الأرض ، بسبب عوامل الاهتزاز ، عمل على منحها الثبات من خلال النظرة المستقبلية الواعية الواثقة بالله ، والحركة المنفتحة على الواقع في عملية تخطيط مدروس يحسب حساب كل المتغيّرات الطارئة بدقة ، ويوحي للإنسان بالاستعداد لذلك كله.
ومن خلال ذلك ، نستطيع أن نفهم أن الإيمان ليس كلمة ، وليس موقفا ظاهريا ، بل هو عمق فكري وروحي وعملي يتجسد في موقف وحركة والتزام. لهذا نفت الآية صفة الإيمان عن هؤلاء ، لتثبتها ـ في ما بعد ـ للملتزمين بالخط ، الثابتين عليه ، وتمضي الآيات في إبراز بعض ملامح هذا الاهتزاز العملي الذي يوحي بفقدان القاعدة الفكرية للانتماء.
* * *
ملامح الاهتزاز في نفوس المنافقين
(وَإِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ) لتكون شريعة الله المنطلقة من مضمون الإيمان هي الحكم في ما بينهم ، في ما تميز به بين الحق والباطل (إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ) لا يستجيبون للدعوة ، لأنهم غير مستعدّين للالتزام بنتائج الحكم الذي يستهدف إقامة الحقّ إذا ما كان في غير مصلحتهم ، ولكنهم إذا عرفوا أن النتيجة ستكون لصالحهم ، أقبلوا على الدعوة ، واستجابوا لها ، لأنهم يستجيبون أوّلا وآخرا لمصلحتهم ، لا لانتمائهم الذي يدعونه ، (وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ) وهذا ما يفعله كثير من الناس إذا ما واجهوا مشكلة مع الآخرين ، فهم يبادرون إلى سؤال أهل الاختصاص بالشريعة ، ليعلموا كيف يكون مجرى الدعوى ، وهل تكون لصالحهم إذا أثيرت أمام الحاكم الشرعي ،
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3281_tafsir-men-wahi-alquran-16%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
