وحدانية الله ونفي الشرك ، توفره حسابات العقل من جهة ، ومعطيات الواقع في النظام الكوني من جهة أخرى.
(إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ) ، لأن من خصائص التعدد وجود اختلاف في طبيعة الذات ، يجعل لكل إله نظاما يختلف عن الآخر ، مما يوحي بأن ألوهية أحدهما وربوبيته تختلف عن صاحبه ، فيستقلّ كل واحد بمنطقة من العالم يمارس فيها قدرته المطلقة ويخطط فيها النظام الذي يرتئيه ، وبذلك تنفصل طبيعة النظام الذي يحكم الكون إلى أقسام ، ويصبح لكل منطقة نظام مستقلّ لا يرتبط بالنظام الذي يحكم المنطقة الأخرى. فقد يكون للإنسان ـ على هذا الأساس ـ تدبير معين يختلف عما هو جار في تدبير الحيوان والنبات ، وهكذا عند ما نواجه المخلوقات الأخرى والظواهر الطبيعيّة ، ولكن هذا يوجب التفكيك في النظام الكوني ، ومن ثم التدافع والتجاذب الذي قد يؤدي إلى الفساد ، في الوقت الذي نشاهد فيه وحدة هذا النظام وتناسق أجزائه وتوافق جوانب التدبير فيه.
(وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ) قد يكون سبب ذلك هو أن تعدد السلطات يستلزم التنافس عند محاولة سيطرة كل إله على الآخر وما تفرضه طبيعة الصراع ، حيث يحاول كل منهما الاستعلاء على الآخر في ما يملكه من القدرة المطلقة ، ولكن ذلك يعني اضطراب النظام الكونيّ وفساده ، في الوقت الذي لا نجد فيه أيّ أثر لهذا الفساد في الواقع ، وبذلك تكون مسألة الاعتقاد بتعدد الآلهة جارية على طبيعة الاعتقاد العام الّذي ينظر إلى مسألة التعدد في الآلهة على طريقة التعدد في الناس ، فلا تكون الملازمة خاضعة للمعادلات العقلية ، بل تكون منسجمة مع الاستلزام العادي الناشئ من طبيعة الأشياء في حركة السطح ، لا في حركة العمق.
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3281_tafsir-men-wahi-alquran-16%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
