المنتشرة في الكون ، أنّ كل ما في الكون مخلوق له ، خاضع لإرادته ، بوجوده المحدود الذي ينطق بالحاجة إليه ، فكيف يكون شريكا له في الألوهية ، وكيف يمكن للناس أن يجعلوه شريكا له في العبادة ، وهو لا يملك أيّة خصوصية يستحقّ بها ذلك ، بل على العكس ، يملك ما يبعده عن ذلك.
(وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ) هؤلاء الذين يعيشون حسّ الطاعة بشكل مرهف ، فيدققون في دوافع كل عمل يأتون به كي لا يدخله الشرك الخفيّ ، ويفحصون جزئياته كي لا يقعوا في الخطأ أو يتجاوزوا بعض الحدود من خلاله .. فإذا أتوا بعملهم ذاك إنفاقا كان أو قولا أو غير ذلك ، نجدهم خائفين مشفقين ، أن لا يقبل الله منهم عملهم ذلك ، وأن يحاسبهم عليه إذا رجعوا إليه ووقفوا أمامه ساعة الحساب ، حذرا من غفلتهم عن بعض دقائقه وخفاياه.
(أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ) لأنهم ارتكزوا في حياتهم على القاعدة الصلبة التي ينطلق منها كل خير ، وهي الإيمان بالله وبتوحيده ، والخوف منه ، والمحبة له ، والوجل من المصير يوم الحساب ، ولذلك فإنهم ينتهزون كل فرصة لعمل الخير ، لئلا تفوتهم ، فتفوتهم سعادة الطاعة ونتائجها السعيدة ، فيسارعون فيها .. (وَهُمْ لَها سابِقُونَ) لأن من يسارع إلى الهدف الذي يحبه ، فلا بد من أن يسبق الناس إليه .. وتلك هي الجنة التي يتنافس فيها المتنافسون ، وينطلق إليها المتسابقون ، (وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها) ، فلكلّ طاقته على عمل الخير ، وعليه القيام بما يستطيعه منه ، فلن يطلب الله منه أكثر من ذلك ، لأن الله لا يكلّف عباده بما لا يطيقون ، لأنه ظلم لا يصدر منه ـ سبحانه ـ وسيجزيه الله جزاء ذلك ، (وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِ) يسجّل لعامل الخير كل دقائقه وخفاياه ، (وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) شيئا من ذلك ، بل يأخذونه وافيا كاملا غير منقوص.
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3281_tafsir-men-wahi-alquran-16%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
