المسارعون في الخيرات
من هم الذين يسارعون في الخيرات على مستوى أعمالهم في الدنيا في ما تمثله من مبادئ الخير ، وعلى مستوى مصيرهم في الآخرة ، في ما يمثله من النتائج السعيدة الخيّرة في أجواء النعيم الخالد؟
(إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ) هؤلاء الذين عاشوا عظمة الله في عقولهم ووجدانهم ، واستشعروا محبته في قلوبهم ، وأشفقوا على أنفسهم من خشيته ، لأن للعظمة بعدا للحب يدفع للطاعة ، وبعدا آخر يدعو للخوف من المعصية .. وهكذا كان هذا الإشفاق المتحرك من موقع الخوف من الله ، لا يتمثل في الجانب الشعوري من حياتهم فقط ، ليكون مجرد حالة انفعالية طارئة ، بل يتمثل في الجانب العملي من سلوكهم أيضا بحيث يصبح برنامجا عمليا للحياة في خطّ القرب من طاعة الله ، والبعد عن معصيته. (وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ) ، لأنهم تطلّعوا إلى كل مظاهر الحياة ، في الكون وفي الإنسان ، في أجهزة جسمه ، وانطلاقة عقله وروحه ، وفكروا في تلك الآيات تفكير الباحث عن الحقيقة ، وتعمّقوا في أسرارها ليعرفوا دقّة الصنع ، وإعجاز الوجود ، وقارنوا فيما بينها ، ووقفوا على سرّ الوحدة فيها ، فعرفوا أن الله وحده هو خالق ذلك كله ، ومبدعه ومدبّره ، وبذلك كان الإيمان بالآيات مقدمة للإيمان بالله .. وهنا تحدّد قيمة المعرفة الكونية في حساب الإيمان ، فهي ليست حركة عقلية مجردة للاستغراق داخل الفكرة ، بل انطلاقة فكرية وروحية ، ينفتح الإنسان بها على عالم آخر يلتقي من خلاله بالله .. فالإيمان لا يرتبط بالحقيقة بطريقة ساذجة ، بل يلتقي بها من خلال إعمال الفكر ، وتحصيل العلم ، لتشكيل قاعدة علمية وعقلية متينة يستند عليها.
(وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ) وكيف يشركون به وهم يرون في آياته
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3281_tafsir-men-wahi-alquran-16%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
