وذلك هو أسلوب التربية القرآنية ، الذي يوحي بأن من الضروري متابعة الإيحاء للدعاة إلى الله بالحذر من الانحراف ، بعيدا عن أيّة حالة ذاتية ، مما يمكن للناس أن يجعلوه مانعا عن توجيه النصح ، من عظمة الشخصية ، وحجم الموقع ، لأن المسألة لا تتصل بمستوى الذات ، بل ترتبط بضخامة التحديات التي قد تزلزل الإنسان ، وقد تهوي به إلى مكان سحيق. ولا نريد في هذا المجال أن نتحدث عن قصة العصمة التي تمنع النبي عن الانحراف مما يمنع من توجيه النصح إليه في هذا الاتجاه ، لأننا نحسب أن تأديب الله لرسله ، هو أحد المؤثرات في العصمة التي تمنحهم مناعة الموقف وقوّة الالتزام. وقد لا تفوتنا الملاحظة في أسلوب القرآن ، الذي يعبّر دائما عن الكافرين والظالمين بأنهم لا يعلمون ، مما يعني أن مشكلة هؤلاء أنهم لم ينفتحوا على الحقيقة من موقع جهل ، أو من موقع غفلة وتمرّد ، فقد لا يعرفون الحق مباشرة ، وقد لا يعرفون نتائج البعد عنه عند ما يختار الإنسان لنفسه ذلك.
* * *
ملاحقة فرعون لبني إسرائيل
(وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ) في ما هيّأه الله لهم من وسائل الخلاص من ظلم فرعون بطريق المعجزة (فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً) من دون حق ، من موقع العدوان ، ورأى أن الطريق ممهدة أمامه لملاحقتهم ، وظنّ أن الله يلطف به كما لطف بهم ، ولكن جاءه الموج من كل مكان (حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ) استعرض كل حياته ، بكل ما فيها من كفر وبغي وطغيان وعدوان على الناس ، وانفتحت له آفاق الإيمان فجأة ، وانجلت عن عينيه وعن قلبه غشاوة الضلال.
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١١ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3273_tafsir-men-wahi-alquran-11%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
