فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه
(فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ) فلم يؤمن منهم إلا قليل ، ولكنهم لم يكونوا مطمئنين لمصيرهم ، وذلك من خلال الضغوط الصعبة التي يستطيع فرعون أن يمارسها ضدهم ، وبذلك كان إيمانهم (عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ) عن دينهم ، وذلك بالتأكيد على نقاط الضعف الكامنة في نفوسهم وفي حياتهم التي تبعث فيهم الاهتزاز في الموقف والانتماء.
(وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ) في ما يحاوله من السيطرة الغاشمة على المستضعفين ، والعمل على إذلالهم ، وتدمير شخصيتهم ، وسحق إرادتهم ، للإيحاء الدائم لهم بأنهم في المرتبة الدنيا ، وهو في المرتبة العليا (وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ) الذين أسرفوا في التمرد والعصيان والطغيان والجحود والكفران ، حتى تجاوزوا كل الحدود. وأيّ إسراف أعظم من ادّعاء الربوبيّة.
(وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ) في ما يوحيه الإيمان به من الإيمان بقدرته المطلقة التي لا تقف عند حدّ ، مما يعني الشعور بالأمن في ظله ، والاطمئنان لرعايته ولرحمته (فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا) واعتمدوا ، فلا تخافوا معه أحدا مهما كانت عظمته ، ومهما كان دوره (إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ) لله أمركم وحياتكم في كل شيء ، فذلك هو سبيل القوّة لمن أراد أن يعيش معنى القوّة في روحه وفكره وحياته ، ليواجه التحدي الكبير في ما يثيره أعداء الله من تهاويل. وتجاوبوا مع هذا النداء ، فعاشوا الشعور بالقوّة في نطاق التوكل على الله ، الذي يوحي بالأمن أمام احتمالات المستقبل ، فلا يخاف من أشباح الغيب الكامنة في الزمن الخفيّ ، ولا يشعر بالشلل من ذلك ، بل يجد في الله ضمانة من كل خوف واهتزاز (فَقالُوا عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا) فهو ثقتنا في كل شيء ، وهو الذي يكفي من كل شيء ولا يكفي منه شيء. (رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١١ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3273_tafsir-men-wahi-alquran-11%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
