(فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ) لأنه يمثل الخط الواحد الذي لا التواء فيه ولا انحراف ، فلا بديل عنه إلا الضلال والتخبط في متاهات الضياع التي تتشابه فيها المسالك والدروب والآفاق ، دون أن تترك أيّة علامة تدلّ على الغاية المبتغاة. وليس معنى ذلك أن الإنسان لا يملك صورة تخيّل له أنها الحق ، بل إنه لا يرتكز على قاعدة ثابتة في ما يفرّق فيه بين الحق والباطل (فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) أي تعدلون عن الحق ، وهو التوحيد ، إلى غيره ، وهو الشرك. (كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا) بعد أن أقام عليهم الحجة ، ولم يجعل هناك عذرا لمعتذر في أيّ شك وشبهة ، فانحرفوا من موقع الشهوات والأهواء لا من موقع القناعة المرتكزة على العلم والفكر ، ولذلك كان سلوكهم الفكري والعملي فسقا (أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) بالله وبرسالاته.
* * *
بدء الخلق وإعادته
ثم تنطلق الآية لتوجه النظر إلى الشركاء بعد أن أثارت في أعماقهم التفكير في أمر الله (قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) فيبدع الوجود من العدم ، ثم يعيده إلى العدم من جديد ، لينطلق الوجود في صورة جديدة تحاكي الصورة السابقة بكل ملامحها؟ ويلتفتون إلى واقع هؤلاء الذين جعلوهم شركاء ، فيرون قدرتهم المحدودة الناطقة بالعجز ، ويعرفون استحالة نسبة ذلك إليهم ، لأنهم مخلوقون من العدم كغيرهم ، وسيعودون إليه من جديد ، ليبعثوا كما يبعث الآخرون ، فلا يمكن أن يكونوا هم الذين يعطون الأشياء وجودها في البداية والنهاية ، ويعرفون أن الله هو القادر على ذلك كله ، ولذلك بادرت الآية إلى الجواب عن السؤال ، دون أن تنتظر جوابهم ، لأنه من بديهيّات المعرفة ،
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١١ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3273_tafsir-men-wahi-alquran-11%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
