كان الله قادرا على كل شيء ، فأيّ مشكلة في أن يوحي إلى رجل منهم إذا لم يكن هناك عجب ومشكلة في أصل خلقه للإنسان؟ فإذا كان الوحي غيبا من الغيب ، فإن سرّ الخلق في الإنسان يبقى كذلك حالة غيبيّة في علم الله ، ولا يبقى هناك فرق ، إلا في أنّ الوحي شيء لم يألفه الإنسان ، بينما كان الإنسان وجودا مادّيا مألوفا في حركة الحياة ، وهذا الفرق لا يخضع لأساس فكري ، في ما يمكن أن تلتقي فيه قاعدة القدرة الإلهية في إخضاع الأشياء كلها لإرادته في تكوين أوضاعها وحركة خلقها ، فلا مانع من أن يرسل الله إلى الناس رسولا منهم ، ليحمل رسالته إليهم ، نذيرا أو بشيرا (أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ) بعقاب الله وعذابه ، إذا انحرفوا عن خط السير ، ولم يستجيبوا لنداء الله ، (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا) الذين يستجيبون لنداء الله فيؤمنون بالله ورسالاته ورسوله ، ويعملون في اتجاه ذلك في كل مجالات حياتهم (أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ) أي موقعا متقدما ، وخطوة سابقة حسنة ، بسبب ما يجزي به العاملين بطاعته على أساس ما صدقوا الله في الفكرة والموقف.
* * *
التهمة بالسحر المبين
(قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ) فهذا هو ردّ فعلهم للدعوة التي لم يملكوا أمامها أيّة حجّة للرفض والإنكار ، بل واجهوا الحجة التي تدعم موقف الإيمان وتؤكده ، فكانت الكلمة غير المسؤولة اتهامه بالسحر ، واتهام الرسالة بأنها مظهر سحر في ما تشتمل عليه من خوارق العادة ، ولكن مثل هذه الكلمات لا تمثل موقف قوّة بالرفض ، بل تمثل الضعف الذي لا يرتكز على أساس من فكر ولا يخضع لقاعدة من علم أو حقيقة.
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١١ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3273_tafsir-men-wahi-alquran-11%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
