عن قومه لا عنه ، لأن دوره ليس ذاتيا معهم ، بل هو دور النبيّ الذي يمتدّ ويتعمق في الأمة حتى يتحوّل إلى رمز لها ، في ما يمثله الرمز من فكر ومعنى وخط حياة ، لا مجرّد انتماء إلى اسم أو كلمة أو موقع.
وهكذا أراد الله لهذا الاسم أن يحتوي التصوّر الكليّ للفكرة من خلال القصة ـ النموذج والاسم ـ في ما تجسده حركة الدعوة في دور النبيّ ، وفي تمرّد القرية وأهلها عليه ، وفي ردّ الفعل النبويّ الذي عاشه يونس في انفعالاته الذاتية ضدّهم ، وفي تراجع هؤلاء عن الموقف السلبي ، ليتحول إلى موقف إيجابيّ في دائرة الإيمان ، الذي يعيش أجواء التوبة الخالصة التي يتقبلها الله ، فيكشف عنهم العذاب. ويعود الخير والسلام للجميع ، ويواجه يونس الموقف بذهول واستغراب وحيرة ، ويسدل الستار.
وفي هذا الجو كله ، نتعرف ملامح جديدة للدعوة إلى الله من خلال ما تريد السورة أن تثيره من الإنذار والتبشير في جو الرسالة الإسلامية ، ومدى التحديات التي كانت تواجهها في هذا الاتجاه ، وكيف يريد الله للإنسان أن يستغرق في التفكير به ليرجع إليه ، ليتعرف على نعمه الوافرة ، ليصل إلى دار السلام ويهتدي إلى الصراط المستقيم ، ولينطلق إلى التأمل في القرآن ليصدّق به وليدرك نفع تعاليمه له كإنسان في تفكيره وتخطيطه وتشريعه ، وفي ما يوحي به من مفاهيم وأجواء ، ويبقى للنبي أن يصبر ويتحمل المسؤوليات الصعبة بكل قوّة ، ويبلّغ الرسالة ، مهما كانت التحديات ، ومهما كانت الظروف ، من دون أن يكرههم على ذلك بالقوّة ، أو يقودهم إلى السير معه بالعنف ، بل هو الرفق والتسامح والمحبة والرحمة. وهكذا يجد فيها حركة الدعوة ، في حركة الإيمان في التاريخ ، كما يجد فيها ملامح الشخصيّات النبويّة التي تحركت من أجل الله في ما يأمر به أو ينهى عنه ، لتثير في العاملين كل روحيّة الإسلام ، وصفاء الإيمان ، وسلامة التطبيق.
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١١ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3273_tafsir-men-wahi-alquran-11%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
